الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كاريزما الزعامة وأوهام الصناديق: كيف تهبط بنا الارتجالية من -آلهة الهند- إلى عطش غزة؟

منير السباح

2026 / 7 / 22
القضية الفلسطينية


كان الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) يمتلك حسّاً فكاهياً لاذعاً يقهر به شدة الواقع، ولطالما ردد عبارته الشهيرة التي تختزل تعقيد إدارة الحالة الفلسطينية: "أنا رئيس لشعب مكون من خمسة ملايين رب"، مشيراً بذكاء إلى العناد والاعتداد بالذات الذي يتصف به كل فلسطيني يرى في نفسه قائداً. لكن هذه المقولة تكتسب اليوم أبعاداً أعمق وسخرية سوداء تفوق الوصف، إذا ما ربطناها بقصة تاريخية طريفة وموثقة رواها مقربون من أبو عمار، عن طالب فلسطيني سافر في ثمانينيات القرن الماضي لدراسة طب الأسنان في الهند، وتزامنت زيارته لقرية هناك مع وفاة زعيم روحي كان قد تنبأ لأتباعه بأن خليفته سيكون شاباً غريباً متعلماً يتحدث لغة مجهولة (العربية)، ليدخل هذا الشاب الغريب معمعة النبوءة، وينتهي به المطاف محاطاً بقدسية عمياء تربع من خلالها كزعيم روحي يعبده أكثر من عشرين مليون هندي.القصة لم تقف عند حدود الدهشة، بل تداخلت مع السياسة حين واجهت رئيسة وزراء الهند آنذاك، أنديرا غاندي، معركة انتخابية شرسة، فطلبت من صديقها الحميم ياسر عرفات التدخل لدى "الإله الفلسطيني" ليوعز لأتباعه بالتصويت لها. وفي لقاء سري جمع أبو عمار بذلك الشاب، سأل الطالب رئيسه: "كم تحكم من البشر يا سيادة الرئيس؟" فأجابه عرفات: "نحو خمسة ملايين"، فابتسم الشاب وقال: "أما أنا فيتبعني ويعبدني عشرون مليوناً!"، فضحك أبو عمار وأطلق جلجلته الشهيرة: "أنا عندي خمسة ملايين رب مثلك!". هذه المفارقة تكشف الفرق الشاسع بين "سلطة روحية" انقاد لها الملايين في الهند بلا عناء، وبين "سلطة سياسية فلسطينية" معقدة ومحفوفة بالألغام، تدار وسط غابة من البنادق والرؤوس العنيدة.لكن المفارقة الكبرى تتجلى اليوم حين نقارن إرث أبو عمار بالواقع الراهن. فالرجل الذي أسس أول سلطة وطنية وخاض أول انتخابات عامة عام 1996 بنزاهة مشهودة، كان يؤمن أن قوة القرار الوطني المستقل تنبع حصراً من تفويض شعبي وشرعية صندوق حقيقية. أما اليوم، فتتحرك الحالة الفلسطينية في نفق مظلم من الشرذمة والضياع والتشتت، وتآكل وطني غير مسبوق تجاوز أروقة الفصائل ليمزق الهوية الجامعة. لقد أفرزت الحرب الطاحنة وسياسات النزوح المستمر واقعاً مشظى عزل الأقاليم الجغرافية وفكك النظم الإدارية، وترافق ذلك مع حالة "تسيد" وتمسك مرضي بالمراكز، تصر على تغييب القيادات الشابة وحصار تجديد الدماء، مما أحدث تنازعاً حاداً وقطيعة بين الأجيال؛ جيل قديم يحكم بأدوات متكلسة، وجيل شاب يمتلك الطاقة لكنه مقصى تماماً من دائرة الفعل.وفي ظل هذا الشلل البنيوي، غ غاب التخطيط الاستراتيجي والمؤسساتي، وحل محله نهج "الفزعة" والارتجال وإدارة الأزمات بردود الفعل اللحظية، والاعتماد على الحلول العشائرية القائمة على "اصطلاح الكبود" وتطييب الخواطر المؤقت، دون امتلاك الشجاعة لمعالجة جذور العطب، ظناً ممن يتصدرون المشهد أن هكذا تدار الأوطان وتُخاض معارك التحرر! هذا الاستسهال المفرط والإصرار على عدم التعلم من تجارب الماضي، قاد المشهد إلى نوع من "الصعلكة السياسية" التي تغيب فيها البرامج والمبادئ لحساب المصالح الفردية والخطابات الشعبوية التي تعتاش على آلام الناس، مما أفقد القوى القدرة على التأثير أو الحشد الحقيقي القادر على تحويل التضحيات الإنسانية الهائلة إلى مكاسب سياسية ملموسة.وسط هذا الركام، يبرز السؤال الصادم الذي يفرض نفسه بعيداً عن الرومانسية والشعارات الرنانة: هل الوقت مناسب فعلاً للحديث عن انتخابات مرتقبة? هل تسمح الظروف الراهنة بأي عرس ديمقراطي، أم أن الأمر لا يعدو كونه "ترفاً انتخابياً" صارخاً يفصل النخبة عن واقع شعب عاجز عن الحصول على شربة ماء نظيفة أو خيمة تقيه برد الشتاء وحر الصيف؟ ينقسم قراء المشهد هنا إلى اتجاهين؛ الأول يرى في الصندوق متطلباً دولياً وإقليمياً لا مفر منه لتجديد شرعيات مهترئة انتهت صلاحيتها الدستورية منذ عقود، كممر إجباري لتأمين حضور فلسطيني في "اليوم التالي" للحرب وإعادة الإعمار. أما الاتجاه الثاني، وهو الأكثر واقعية، فيرى في الإصرار على إجراء انتخابات في مجتمع ممزق وجغرافيا مشظية وبدون توافق وطني حقيقي، مغامرة غير محسوبة العوانب، قد لا تقل خطورتها وتداعياتها الكارثية عن مغامرة السابع من أكتوبر التي قلبت المنطقة رأساً على عقب.إن العودة إلى منطق أبو عمار تخبرنا أنه لم يكن ليرى في الانتخابات ترفاً، بل أداة لترتيب البيت الداخلي، لكنه في الوقت ذاته ما كان ليغامر بالذهاب إلى الصناديق وشعبه يموت عطشاً وجوعاً دون تأمين مقومات صموده أولاً. التحدي اليوم ليس في "هل ننتخب؟"، بل في "كيف ننجو؟". وإذا كان الطالب الفلسطيني قد تربع على قلوب الهنود بالصدفة والكاريزما، فإن إنقاذ المشروع الوطني لا يمكن أن يأتي بالصدفة، ولا بنظام "الفزعة"، ولا بضغوط دولية تتجاهل شربة الماء وتضميد الكبود حقيقة لا اصطلاحاً؛ فترتيب البيت الإنساني وإعادة بناء النسيج الاجتماعي هو الممر الوحيد ليكون الصندوق وسيلة لإنقاذ الوطن، لا رصاصة الرحمة الأخيرة عليه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزير الخارجية السعودي يؤكد أهمية حرية الملاحة وسلامتها في مض


.. طهران ومسقط تؤجلان اجتماعا خليجيا وانفجارات مجهولة تهز سيريك




.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف


.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي




.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا