الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاقتصاد القوي يحمي القرار السياسي
صفاء العطية التميمي
2026 / 7 / 24مواضيع وابحاث سياسية
المقال الثالث عشر.....
إذا كانت مكافحة الفساد وتفكيك شبكات النفوذ — كما أصلنا في المقال الثاني عشر — يشكلان معركة التحرير المؤسسي الداخلي للدولة، فإن بناء اقتصاد وطني صلب ومستقل يمثل خط الدفاع الأول والدرع الحصين لحماية القرار السيادي من الارتهان الخارجي والابتزاز الدولي؛ إذ لا يمكن لدولةٍ تتسول بقاءها المالي أو تعتمد على القروض المشروطة والأسواق الريعية المتذبذبة أن تملك قراراً سياسياً حراً، فالاستقلال السياسي في عالم اليوم هو مجرد وهمٍ ما لم يُسنَد بقاعدة اقتصادية إنتاجية تكفل الذات وتحمي السيادة. إن هشاشة البنية الاقتصادية وتحويل الدولة إلى مجرد ريعي يُدار باقتصاد الغنائم يجعل الكيان الوطني مكشوفاً أمام أعتى الهزات؛ فعندما تعتمد الدولة على مورد واحد وتُهمَل القطاعات الإنتاجية كالهندسة الزراعية والصناعة والاستثمار الحقيقي، تتحول الموازنة العامة إلى رهينة لأسعار الأسواق العالمية وتغيرات الإرادة الدولية، مما يجبر السلطة المتعاقبة على تقديم تنازلات سياسية تمس الجوهر السيادي لمجرد تغطية النفقات التشغيلية، في حين أن القرار الوطني الحر يُصنع أساساً في الحقول والمصانع والمؤسسات النقدية المحصنة بعيداً عن أروقة المفاوضات التي يدخلها المسؤول موقِعاً من موقع العجز المالي.
إن حماية القرار السياسي تتطلب الانتقال الفوري من نمط استهلاك الثروة إلى إنتاج القيمة عبر رؤية تنموية شاملة ترتكز على تنويع مصادر الدخل وتفعيل القطاعات الحيوية، وبناء بيئة استثمارية شفافة تُدار بحوكمة صارمة بعيداً عن ابتزاز الأحزاب وفروض المحاصصة، فضلاً عن تحصين السياسة النقدية والتجارية عبر عزل البنك المركزي والمؤسسات المالية الاستراتيجية عن التجاذبات السياسية لضمان ألا تُستخدم الموارد النقدية كأوراق مراهنة في سوق الصراعات الداخلية أو الإقليمية. ولا يقتصر أثر هذا الاقتصاد القوي على صيانة الحدود وتأمين القرار الخارجي فحسب، بل يمتد ليشكل عصب الاستقرار الاجتماعي الداخلي؛ فعندما تُوجّه موارد الدولة لبناء البنى التحتية وتوفير فرص العمل العادلة وتحسين الخدمات العامة، يتحول المواطن من مستجدٍّ للوظيفة عبر الوساطة والحزبية إلى شركٍ فعلي في بناء الوطن، لتُغلق بذلك أبواب الزبائنية ويُستبدل بها عقد المواطنة الحقيقية القائم على العدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص، وهو المصل الواقي من تفكيك النسيج الاجتماعي، فحين يشعر المواطن أن خيرات بلاده تُستثمر لبناء مستقبله ومستقبل أبنائه يتجذر ولاؤه للكيان والدولة لا للسلطة المتغيرة.
وفي النهاية، يُقاس النضج السياسي للأمم بقدرتها على تحويل مواردها الذاتية إلى قوة ردع اقتصادية حقيقية، فالسيادة التي لا يحميها اقتصادٌ متين هي سيادة صورية، والقرار السياسي الذي يُصاغ تحت ضغط العجز المالي هو قرارٌ سليب، ومن هنا فإن بناء دولة المؤسسات يتطلب التزاماً راسخاً يجعل من التنمية الشاملة والاستقلال المالي شرطاً وجودياً لا يقبل المساومة، لتظل إرادة الوطن هي الحاكمة وفوق كل اعتبار.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز
.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ
.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟
.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا
.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس