الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المشوهة؟
مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Muhannad Al Madani)
2026 / 7 / 25
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
هل يعكس العقل البشري حقائق الكون بشفافية مطلقة، أم يحمل في بنيته العميقة تشوهات فطرية ومكتسبة تعيد تشكيل الواقع قبل إدراكه؟
واجه الفكر الأوروبي في مطلع القرن السابع عشر أزمة معرفية حادة، تمثلت في هيمنة (الفلسفة الأرسطية ـــ والمدرسية الكنسية الكاثلوكية)على مناهج البحث، حيث اغترب التفكير في سجالات لفظية وتأملات نظريّة معزولة عن حركة الحياة. للخروج من هذا المأزق، رأى الفيلسوف الإنجليزي (فرنسيس بيكون) ضرورة مراجعة المنهج القديم برمته قبل الشروع في بناء صرح العلم التجريبي الحديث. أسس بيكون نظريته المعرفية على قاعدة (التطهير العقلي) مقدماً تشريحاً دقيقاً للعوائق المعرفية التي أطلق عليها اسم (الأوثان - وانا سميتها: الأوهام)وهي انحيازات متأصلة تحجب البصيرة وتحول دون وصول الإنسان إلى الحقيقة الموضوعية.
تتبلور الخطوة الأولى في المنهج البيكوني حول تخليص الذهن البشري من الميل إلى التسليم الأعمى والأحكام المسبقة. يرى بيكون أن الإنسان، لكي يكون منتجاً ومبتكراً يحتاج إلى تجاوز أربعة أنواع من (الأوهام) التي تتسلط على إدراكه، وتعمل كعدسات مشوهة تفصل بينه وبين قوانين الطبيعة والمجتمع.
1/ أوهام القبيلة (انحيازات الطبيعة البشرية):
يتعلق أول هذه المعوقات بـ (أوهام القبيلة) وهي الأخطاء النابعة من الطبيعة البشرية المشتركة. يميل العقل البشري بطبعه إلى تصوير الظواهر الكونية والأحداث الاجتماعية وفق مقاييسه وقوالبه الخاصة، ويفترض وجود نظام وانسجام في الطبيعة يفوق ما هو قائم فعلياً. يقيس الإنسان هنا الكون على مقاس ذاته، ويسبغ على القوى الخفية والظواهر المعقدة صفات تشبه صفات زعيم القبيلة أو شيخ العشيرة.
إن هذه الأوهام تجعل الجماهير تميل بطبعها إلى التبسيط المخل، والتفتيش عما يؤكد ظنونها المسبقة (الانحياز التأكيدي)، وإسقاط الرغبات الذاتية على الواقع الموضوعي.
2/أوهام العُزلة أو الكهف (التحيزات الفردية والنشأة):
تُشكل (أوهام الكهف) العائق الثاني، وتعكس التحيزات الفردية الناتجة عن التكوين النفسي، والتربية، والبيئة الخاصة بكل إنسان. يعيش كل فرد داخل عزلتهُ الفكرية أو (كهفه الفكري) الخاص الذي تشكل بفعل قراءاته، وميوله، والموروثات العائلية والمجتمعية التي تلقاها منذ الصغر.
يحجب هذا الكهف الفكري والفردي جانباً كبيراً من الحقيقة الكلية، ويجعل الفرد أسيراً لزاوية رؤية محدودة تحد من قدرته على استيعاب الظواهر بموضوعية، حيث يدافع المرء غالباً عن جدران كهفه بصفته الحق المطلق، معتبراً أن كل ما يقع خارج هذا الكهف هو الخطأ والضلال بعينه.
3/ أوهام الشارع (فوضى اللغة والتضليل الشعاري):
أما العائق الثالث فهو (أوهام الشارع) وهو من أخطر الأوهام الناتجة عن التفاعل الاجتماعي واللغوي. تنشأ هذه الأوهام من الاستخدام غير المنضبط للغة، حيث تكتسب الكلمات معاني فضفاضة وشعارات براقة لا يقابلها واقع مادي محدد.
تخاطب هذه الكلمات الرنانة والشعارات العاطفية الغرائز وتدغدغ مشاعر الجماهير، وتحد من قدرة العقول على التحليل المنطقي وتفكيك المفاهيم. وفي واقعنا المعاصر، تتجلى أوهام الشارع في الخطابات السياسية والإعلامية السطحية التي تستبدل الحقائق المادية بالصراخ اللفظي والتخدير الشعاري.
4/أوهام السرديات أو المسرح (القداسة الأيديولوجية والجمود الفكري):
يشير بيكون بمصطلح (أوهام المسرح) إلى العائق الرابع والأخير، المتمثل في النظريات الفلسفية و السرديات القديمة والعقائد الفكرية الموروثة التي تحولت إلى نصوص مقدسة لا تقبل النقاش. تشبه هذه المدارس الفكرية المغلقة المسرحيات التي تقدم عوالم مصطنعة وتفرضها كحقائق نهائية، بما يحول دون اعتماد الباحث على التجربة والواقع المادي لدعم استنتاجاته.
إن أوهام المسرح هي الداء المانع للابتكار، حيث تحول الفكر إلى استعراض للنصوص والمراجع القديمة، بدلاً من إخضاع تلك النصوص والمقولات لاختبار الواقع والنتائج الملموسة.
من التطهير العقلي إلى المنهج الاستقرائي
يصبح الفرد، بعد تطهير العقل من هذه الأوهام الأربعة، مستعداً لتبني (المنهج الاستقرائي) ، ويرفض بيكون المنهج الاستنتاجي القديم الذي يبدأ من مقدمات كلية مفترضة ليصل إلى نتائج جزئية، ويطرح بدلاً منه منهجاً يعتمد على رصد الجزئيات عبر التجربة والملاحظة المباشرة، ليتدرج العقل صعوداً نحو استخلاص القواعد والقوانين الكلية. تمثل التجربة المادية والواقع المعيش هنا المعيار الأساسي لإثبات صحة أي فرضية.
يبرز في سياق التأسيس للمعرفة الحديثة تمايز معرفي حاسم بين تزامنا في الحقبة نفسها:
وقف فرنسيس بيكون مدافعاً عن (التجريبية) معتبراً أن المعرفة تستقى من الاحتكاك المادي بالطبيعة والواقع بعد تحرير العقل من أوهامه.
في المقابل، وقف رينيه ديكارت مؤسساً لـ (العقلانية) إذ رأى أن الاعتماد على الحواس والتجارب المادية مصدر قاصر وقد يكون مضللاً، وجعل من العقل والمنطق الاستنتاجي، انطلاقاً من مبدأ الكوجيتو (أنا أفكر إذاً أنا موجود)، مصدراً أساسياً لإنتاج المعرفة اليقينية بمعزل عن تقلبات الحس.
ختاماً/ راهنية بيكون في عصر الشاشات والفقاعات الفكرية
تمثل أوهام بيكون خطوة تأسيسية في مسار فلسفة العلم، فقد نقلت هذه الأطروحة التفكير الإنساني من فضاء التأملات النظرية والمجادلات الكلامية إلى أرض الاختبار العملي والواقع المادي، مما أسهم في تمهيد الطريق لتطورات العلم الحديث والثورة الصناعية.
إن أهمية أطروحة بيكون لا تكمن فقط في قيمتها التاريخية، بل في راهنيتها الشديدة لمجتمعاتنا اليوم. نحن نعيش في عالم تتضاعف فيه (أوهام الشارع) عبر وسائل التواصل، وتشتد فيه (أوهام الكهف) داخل الفقاعات الفكرية، وتسيطر فيه (أوهام السرديات والمسرح والقبيلة)على الخطابات العامة.
إن النهضة الحقيقية وتفكيك ثقافة العجز والانغلاق لا يبدآن من حشد الشائعات أو التغني بالماضي، بل تبدأ بالجرأة على مراجعة الذات، وإزاحة هذه العدسات المشوهة، لنرى الواقع كما هو.. لا كما نتمنى أو نتوهم أن نراه
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. من فتوى تحريم القنبلة إلى خيار الردع النووي.. إلى أين تتجه إ
.. بودكاست 10452 | الإعلامي والباحث المسيحي سركيس الدويهي
.. حملة اعتقالات بالضفة الغربية ومستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
.. الأديان الستة الصغرى في العالم الآن
.. شاهد.. أول ظهور للشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي عقب الإفراج