الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ النار عند البشر

خليل الشيخة
كاتب وقاص

(Kalil Chikha)

2026 / 7 / 26
الادب والفن


جدتي وحكايتها مع الزند والصوان
عندما كنت طفلًا، سمعت جدتي (رحمها الله) تتحدث عن أيام زمان، فقالت إن الأيام الخوالي كانت قاسية وصعبة. وأتت في حديثها على إشعال النار، فتحدثت عن أنها كانت تشعل النار بالزند والصوان، أو كان جدي هو الذي يشعلها؛ لأن ذلك كان يحتاج إلى جهد كبير. والزند هو قطعة من الفولاذ يصنعها الحداد على أشكال متعددة، أشهرها الشكل الهلالي أو على هيئة مقبض يسهل الإمساك به، وتُضرَب بحجر الصوان عدة مرات لإحداث شرارات دقيقة. أما المادة التي تستقبل الشرارة فكانت قطعة من القماش أو القطن المتفحم، وتُسمى في بعض البيئات **الجمرة** أو **المُستقبِل**. وكان لها أيضًا طريقة خاصة في صناعتها؛ إذ توضع قطعة القماش في علبة معدنية صغيرة وتُسخَّن على النار حتى تتفحم دون أن تحترق، ثم تُحفظ لاستعمالها عند الحاجة. والسبب في تفحيمها أنها تصبح شديدة القابلية لالتقاط الشرر والاشتعال. وبعد القدح بالزند والصوان، تتطاير شرارات معدنية دقيقة فتستقر على القماش المتفحم، ثم يبدأ الرجل أو المرأة بالنفخ حتى تتحول إلى جمرة متوهجة، ومنها تُشعل النار بالحطب أو القش. وكان هذا كله قبل أن يخترع البريطاني جون واكر أول أعواد الثقاب الاحتكاكية العملية عام 1826 أو 1827، ثم انتشرت في أنحاء العالم. ومن الطريف أن اختراعه جاء نتيجة ملاحظة عرضية أثناء تجاربه الكيميائية. وبعد ذلك ظهرت القداحات الحجرية، التي تعتمد على حجر صوان صغير ودولاب فولاذي خشن يحتك به فيولد الشرر أمام فتيل مشبع بالوقود، فتشتعل النار بسهولة. وقد كان لدى أبي واحدة من هذه القداحات، وما زلت أتذكرها جيدًا. وأظن أن استعمال أعواد الكبريت في القرى السورية ازداد خلال العقود الأولى من القرن العشرين، بعد أن كانت تُستورد من أوروبا في أواخر العهد العثماني، فسهَّلت على الناس إشعال النار واختصرت كثيرًا من الوقت والجهد. ثم انتشرت بعد ذلك قداحات الغاز في مختلف أنحاء العالم. والنار بحد ذاتها رافقت الإنسان منذ أكثر من مليون سنة، وكان لها دور أساسي في جميع مجالات حياته؛ فهي مصدر للدفء والطهي والإضاءة، كما استُخدمت قديمًا لإبعاد الحيوانات المفترسة عن المغارات التي سكنها الإنسان الأول. وأتذكر أنني شاهدت في الولايات المتحدة، خلال ثمانينيات القرن الماضي، فيلمًا بعنوان **«البحث عن النار»** (Quest for Fire)، وكان فيلمًا رائعًا يتناول حياة الإنسان القديم الذي كان يحصل على النار من الحرائق الطبيعية أو من الصواعق، ثم يحافظ عليها بإمدادها بالأخشاب حتى لا تنطفئ. وعندما انطفأت النار بسبب الأمطار، أرسلت العشيرة شابين للبحث عن نار جديدة. وتدور أحداث الفيلم حول حياة الإنسان البدائي وصراعه مع الوحوش ومع جماعات بشرية أخرى، إلا أن رسالته الأهم تتمثل في اكتشاف الإنسان في النهاية طريقة إشعال النار بنفسه، وهو التحول الذي غيّر مجرى الحضارة البشرية. وقد أُنتج الفيلم عام 1981، وهو مأخوذ عن رواية لكاتب فرنسي كتبها في مطلع القرن العشرين. وهناك أيضًا كتاب مهم حول أهمية النار في تاريخ البشرية بعنوان **«النار: تاريخ مختصر»** (Fire: A Brief History)، ألَّفه الباحث الأمريكي **ستيفن ج. باين** (Stephen J. Pyne). ويشرح الكتاب كيف غيَّرت النار حياة البشرية على سطح الأرض، وأهميتها في الحياة اليومية، وفي تاريخ الأديان، وفي تطور الحضارات، إضافة إلى دورها في الحياة الاجتماعية؛ فالأسرة كانت تجلس حول النار في ليالي الشتاء، تتسامر، وتحكي الجدات والعجائز لأحفادهن قصص الماضي وخبرات الحياة. وربما جاء تقديس النار من أهميتها الكبرى في حياة البشر الأوائل؛ فقد تحولت في نظرهم من مجرد ظاهرة طبيعية إلى رمز للحياة والقوة والنور. فالزرادشتية لا تعبد النار كما يظن بعض الناس، وإنما تعدها رمزًا للنور الإلهي والطهارة والحقيقة، ولذلك يحرص أتباعها على إبقائها متقدة في معابدهم. وترمز النار لديهم إلى حضور أهورا مازدا، إله الخير والنور، في صراعه مع أهريمان، رمز الشر والظلمة. ويقوم رجال الدين، الذين يُعرفون بالمجوس، بخدمة النار المقدسة، ويضع بعضهم قطعة قماش خاصة على الفم والأنف أثناء الطقوس حتى لا تتلوث النار بالنَّفَس. وبالمناسبة، فإن كلمة **«المجوس»** كانت في الأصل تشير إلى طبقة رجال الدين في الديانة الزرادشتية، ثم أصبحت في التراث العربي والإسلامي تُطلق على الزرادشتيين عمومًا. وكان رجال الدين هؤلاء يتوارثون وظائفهم الدينية جيلاً بعد جيل.مثل رجال الدين اليهود (اللاويين) الذين كانوا أيضاً يتوارثون هذه الوظيفة . ولم تقتصر قداسة النار على الزرادشتيين، بل عُرفت عند شعوب كثيرة؛ لما لها من أهمية في مختلف مجالات الحياة. فقد عدَّها الرومان عنصرًا مقدسًا، وربطوها بالإله فولكان، إله النار والحدادة، وكانت تؤدى لها طقوس دينية وتُقدم عندها القرابين، كما كان تدنيس النار يُعد فعلًا مشينًا في نظرهم. وأخيرًا أقول إن النار، منذ أن اكتشف الإنسان أهميتها قبل أكثر من مليون سنة، لم تفقد مكانتها في حياتنا. فهي رمز للدفء والطهي والإضاءة والصناعة، رغم أنها في حقيقتها ليست سوى تفاعل احتراق سريع بين الأكسجين والغازات القابلة للاشتعال التي تنتج عن تسخين المواد. ولدي ملحوظة علمية مهمة، وهي أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن الخشب أو البنزين أو السوائل هي التي تشتعل مباشرة، بينما الحقيقة أن الذي يشتعل هو الغازات أو الأبخرة المتصاعدة منها بعد تسخينها، أما المادة الصلبة أو السائلة نفسها فهي لا تحترق إلا بعد أن تطلق تلك الغازات القابلة للاشتعال. ولدي أيضًا ملحوظة لغوية لطيفة، وهي أن النساء في بعض البيئات الشعبية يستخدمن التعبير: **«فلانة تطبخ وتنفخ»**. فالطبخ معروف، أما النفخ، فربما كان أصله يعود إلى الطريقة القديمة في إشعال النار بالزند والصوان؛ إذ كانت النار تحتاج إلى النفخ المستمر حتى تتوهج وتشتعل، قبل ظهور أعواد الثقاب والقداحات الحديثة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مقالة رائعة
خالد الخالد ( 2026 / 7 / 26 - 20:43 )

تحياتي للكاتب خليل الشيخة
انها مقالة ثقافية رائعة فيها المثير من المعلامات التاريخية والدينية
ننتظر المزيد

اخر الافلام

.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية


.. علاقة حالات الطلاق بالتمثيل رئيس أكاديمية الفنون تتحدث عن




.. خدعة السينما المصرية.. هل يمكنك أن تستيقظ لتجد حسابك في الب


.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم




.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع