الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
يكفيه أن يسمع: «ألو»
ضيا اسكندر
كاتب
2026 / 7 / 27
الادب والفن
لم يعُد يطلب لقاءً، ولا شرحاً يبدد وحشته، ولا أعذاراً تُبرر الغياب. كل ما يحتاجه أحياناً أن يرنّ هاتفه، فيسمع من الطرف الآخر: «ألو يا أبي... كيف حالك؟» عندها يضيء نهاره، ولو كان في آخر الليل، ويشعر أن سنوات عمره لم تمضِ هباءً.
ولكن... كيف لأبٍ أن يسمع تلك الكلمات، إذا كان رقمه محظوراً، واسمه قد مُحي من ذاكرة الهاتف... ومن ذاكرة البيت؟
في الليل، يصبح الصمت أثقل من الجدران، ويغدو البيت الواسع مجرد فراغٍ يتردد فيه صدى خطوات رجلٍ فقد دفء العائلة، لكنه لم يفقد حبه لها يوماً. أبٌ يعيش وحيداً، لا يحمل في قلبه ضغينةً لأحد، ولا يسكنه حقدٌ أو رغبةٌ في الانتقام، بل يحمل شوقاً لا يهدأ لابنه وابنته.
هما اللذان اختارا الوقوف إلى جانب أمهما، وأغلقا أبواب قلبيهما في وجهه، وربما صدّقا روايةً لم يُتح له أن يروي، في مقابلها، روايته. لكنهما لم يعلما أن الأب، مهما أثقلته الجراح، يبقى قلبه معلقاً بأبنائه؛ يفرح لفرحهم وإن غاب عنهم، ويحزن لحزنهم وإن لم يعلموا، ويدعو لهم في صلاته كما كان يفعل يوم كانوا صغاراً ينامون بين ذراعيه.
لم يعد يحلم بلقاءٍ طويل، ولا بعناقٍ يعيد ما انكسر. صار أقصى أمانيه أن يسمع كلمةً واحدة... «ألو».
ولهذا، كلما ضاق به الحنين، يستعير هاتف أحد أصدقائه ويتصل. يعرف أن رقمه محظور، وأن اسمه لم يعد مرحباً به، فيغامر برقمٍ غريب، فقط ليخطف ثانيةً من صوت أحدهما. وما إن يسمع كلمة «ألو»، حتى يشعر بأن الحياة عادت تتنفس في صدره. ثم يغلق الخط بهدوء، قبل أن يدرك صاحب الصوت أن الأب الذي انتظر تلك الكلمة أشهراً، كان على الطرف الآخر.
وحين يشتد الغياب، يفتح صفحتيهما على فيسبوك. يتأمل صورةً جديدة، ويفرح بمنشورٍ يطمئنه أنهما بخير. يعرف من الصور أن ابنته قصّت شعرها، وأن ابنه كبر عاماً آخر، ويقرأ من تفاصيل حياتهما حياةً لم يعد جزءاً منها، كما يقرأ الغريب أخبار مدينةٍ كان يسكنها يوماً.
مؤلمٌ أن يتحول الأب إلى زائرٍ خفي في حياة أبنائه، يسترق أخبارهم من شاشة، ويقتات على صورهم، ويعتبر سماع «ألو» عيداً صغيراً.
الأبوة لا تعرف الكراهية. قد تنكسر، وقد تتعب، وقد تبكي بصمت، لكنها لا تتوقف عن الانتظار. يترك الأب باب قلبه موارباً، مؤمناً بأنه مهما طال الغياب، فستأتي لحظة يدرك فيها الأبناء أن خلافات الكبار لا ينبغي أن تحرم القلوب من حقها في الحب.
وسيظل، كلما أظلم الليل، يدعو لهما كما كان يفعل وهما نائمان تحت سقفٍ واحد، ويهمس لنفسه:
لعل الغد يحمل اتصالاً... هذه المرة، لا يستعير فيه هاتف صديق، ولا يكتفي بكلمة «ألو».
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. خلاصة الخبرة! نصائح ذهبية من المخرج ياسر سامي للشباب في بودك
.. -يا بختكم بالرئيس السيسي-.. فنان العرب محمد عبده يفجر مفاجآت
.. سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي • فرانس 24 / FRANCE 24
.. المسرحية نجحت - الكشف الطبي ينهي أزمة بيزيرا في الزمالك !
.. فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م