الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بريكس وإعادة تشكيل النظام المالي الدولي.
عاصم البرقان
(Asem Al-burgan)
2026 / 7 / 30
السياسة والعلاقات الدولية
يشهد النظام المالي الدولي تحولات متسارعة تعكس التغيرات التي طرأت على بنية الاقتصاد العالمي وتوازنات القوة الدولية. وفي هذا السياق، تبرز مجموعة “بريكس” بوصفها أحد أبرز الفاعلين الساعين إلى تطوير مؤسسات وآليات مالية تقلل من الاعتماد على البنية التقليدية التي تشكلت في ظل الهيمنة الغربية على النظام المالي العالمي. ومن بين المبادرات المطروحة حالياً دراسة إنشاء نظام خاص لتسوية المعاملات المالية الفردية بين مواطني الدول الأعضاء.
لقد أظهرت التطورات التي شهدها العقد الأخير أن أنظمة التحويلات المصرفية الدولية، وكذلك البنية الأساسية للمدفوعات العابرة للحدود، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على مؤسسات وشبكات مالية غربية. ومع تصاعد الاتجاه نحو نظام دولي أكثر تعددية، أصبح البحث عن بدائل مالية وتجارية أكثر استقلالية أحد الأهداف الرئيسة لدول “بريكس”. وفي هذا الإطار، اتجهت المجموعة إلى توسيع استخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية البينية، بما يسهم في تقليص الاعتماد على الدولار والعملات الغربية الأخرى في تسوية التجارة الدولية.
غير أن هذا التوجه لا يزال يواجه تحدياً يتمثل في غياب آلية موحدة لتسوية المدفوعات الفردية، مثل المدفوعات التي يجريها السياح أو المستهلكون أو الأفراد أثناء تنقلهم بين دول المجموعة. وتكتسب هذه المعاملات أهمية متزايدة بالنظر إلى أن مئات الملايين من الأشخاص يجرونها سنوياً، بينما تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، الأمر الذي يجعلها عنصراً مؤثراً في التكامل الاقتصادي بين دول “بريكس”.
ومن هنا برزت في الأوساط الاقتصادية فكرة تطوير بطاقة دفع موحدة، أو منصة مشتركة للمدفوعات الرقمية، تتيح لمواطني الدول الأعضاء إجراء معاملاتهم بسهولة باستخدام البنية المالية الخاصة بالمجموعة، بعيداً عن الاعتماد الكامل على شبكات الدفع العالمية التقليدية.
وتشير بعض التجارب العملية إلى أن تحقيق هذا الهدف ليس بعيد المنال. فقد أصبح بإمكان مستخدمي بطاقة “ياندكس غو” الروسية، على سبيل المثال، سداد رسوم خدمات النقل العام في دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال الربط التقني بين أنظمة الدفع المختلفة، حيث تُحول قيمة العمليات تلقائياً إلى العملة المحلية وفق سعر الصرف السائد، دون الحاجة إلى استخدام بطاقات دولية تقليدية. وتؤكد هذه التجربة أن التكامل بين أنظمة الدفع الوطنية أصبح ممكنا من الناحية التقنية متى توفرت الأطر التنظيمية والاتفاقيات المصرفية اللازمة.
وتملك الاقتصادات الرئيسة في “بريكس” بالفعل بنية تحتية متطورة في مجال المدفوعات الرقمية؛ فالصين تمتلك عدة أنظمة دفع وطنية، والهند طورت نظام UPI، والبرازيل تعتمد نظام PIX، بينما تواصل روسيا توسيع استخدام نظام بطاقات “مير”. ومن شأن ربط هذه الأنظمة ضمن شبكة موحدة أن يخلق فضاءً مالياً جديداً يرفع من حجم المدفوعات العابرة للحدود بين مواطني دول المجموعة، ويعزز دور البنوك الوطنية ومشغلي أنظمة الدفع المحلية.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على الجوانب التقنية أو التجارية، بل تمتد إلى أبعاده الجيوسياسية والاقتصادية. فنجاح “بريكس” في بناء شبكة مستقلة للمدفوعات الفردية سيشكل خطوة إضافية نحو إعادة تشكيل البنية المالية الدولية، ويوفر بديلاً عملياً لشبكات الدفع العالمية التي تهيمن عليها شركات مثل “فيزا” و“ماستركارد”. ورغم أن هذا البديل لن يحل محل تلك الشبكات في المدى المنظور، فإنه قد يمثل بداية مسار طويل نحو نظام مالي دولي أكثر تنوعاً وتعدداً، يتماشى مع التحولات التي يشهدها ميزان القوى الاقتصادي العالمي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات بعد سنوات من ا
.. الحوثيون يتقدمون نحو باب المندب بعد سيطرتهم على المخا وجزيرة
.. وعد ترامب بـ5 آلاف دولار يهز السباق الانتخابي.. هل يمكن تنفي
.. غواصات روسية قرب كابلات الناتو.. ماذا يخطط بوتين؟ | #التاسعة
.. ترمب يتعهد بمنح 5000 دولار لكل أمريكي حال فوز الحزب الجمهوري