الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإنسان إلى سلعة
أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة
2026 / 7 / 30
حقوق الانسان
في الثلاثين من يوليو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، وهي مناسبة تستحق أن نتوقف عندها قليلًا ليس فقط للتذكير بخطورة هذه الجريمة أو لاستعراض ما تحقق من تطور في التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، وإنما لإعادة طرح سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره وعميقًا في مضمونه، وهو: لماذا لا تزال هذه الجريمة قادرة على البقاء والتطور رغم كل ما بُذل من جهود لمواجهتها؟ والإجابة في تقديري لا تبدأ من المتاجر بالبشر بقدر ما تبدأ من الضحية، لأن هذه الجريمة لا تزدهر حيث يوجد المجرمون فقط، وإنما حيث توجد الهشاشة الإنسانية التي يمكن استغلالها وتحويلها إلى مصدر للربح.
تكمن خصوصية الاتجار بالبشر في أنه لا يتعامل مع الإنسان باعتباره هدفًا للجريمة فحسب، وإنما باعتباره وسيلة لتحقيق مكاسب اقتصادية، ولذلك فإن السلعة الحقيقية ليست الإنسان في ذاته، وإنما الظروف التي جعلته ضعيفًا أو محتاجًا أو فاقدًا للحماية، فالفقر قد يصبح مدخلًا للاستغلال كما قد تصبح البطالة مدخلًا آخر وقد يؤدي النزوح أو الهجرة غير الآمنة أو الحرمان من التعليم أو التمييز أو التفكك الأسري الدور نفسه، لأن كل واحدة من هذه الحالات تقلل قدرة الإنسان على الاختيار الحر وتزيد قابليته للوقوع في براثن من يحولون حاجته إلى تجارة تدر أرباحًا هائلة.
من هنا تبدو هذه الجريمة مختلفة عن كثير من الجرائم الأخرى، فالسارق يبحث عن المال وتاجر المخدرات يبحث عن سوق لتصريف بضاعته، أما المتاجر بالبشر فإنه يبحث عن إنسان يائس أو خائف أو محتاج، لأن الهشاشة هي المادة الخام التي تقوم عليها هذه التجارة، وكلما ازدادت الأزمات الاقتصادية واتسعت الفجوات الاجتماعية وتصاعدت النزاعات وتراجعت فرص العمل اللائق اتسعت المساحة التي تتحرك فيها شبكات الاستغلال، ليس لأن المجتمعات أصبحت تنتج مجرمين أكثر، وإنما لأنها أصبحت تنتج أفرادًا أكثر هشاشة.
لهذا السبب لم يعد من الممكن النظر إلى الاتجار بالبشر باعتباره قضية جنائية فقط، رغم أهمية إنفاذ القانون وتشديد العقوبات وملاحقة الجناة، لأن هذه الإجراءات تظل ضرورية لكنها لا تعالج جذور المشكلة. فالقوانين تستطيع أن تعاقب من استغل الضحية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع ظهور ضحايا جدد إذا بقيت الظروف التي دفعتهم إلى دائرة الاستغلال على حالها. لهذا أصبح من الواضح أن الوقاية لا تقل أهمية عن العقاب، وأن بناء سياسات تنموية توفر التعليم والعمل اللائق والحماية الاجتماعية وتكافؤ الفرص هو في الوقت نفسه جزء أصيل من مكافحة الاتجار بالبشر، حتى وإن لم يُقدم تحت هذا العنوان.
تزداد أهمية هذه الرؤية في عالم يشهد تغيرات متسارعة في أنماط الحركة البشرية وفي أسواق العمل وفي وسائل الاتصال، حيث تتغير أساليب الاستغلال بالسرعة نفسها التي تتغير بها المجتمعات، فالذين يمارسون هذه الجريمة لا يبتكرون الهشاشة، وإنما يبحثون عنها أينما وجدت، ويكيفون أدواتهم وفقًا للظروف المحيطة، وهو ما يجعل المواجهة الحقيقية أكثر تعقيدًا من مجرد مطاردة المجرمين، لأنها تبدأ قبل ذلك بسنوات عندما ينجح المجتمع في تقليص الفقر وتحسين جودة التعليم وتوسيع فرص العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية وترسيخ ثقافة احترام الكرامة الإنسانية.
يذكرنا اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر بأن نجاحنا في مواجهة هذه الجريمة لا يقاس بعدد القضايا التي تم ضبطها ولا بعدد الأحكام التي صدرت بحق مرتكبيها، وإنما يقاس قبل ذلك بقدرتنا على بناء مجتمعات تقل فيها قابلية الإنسان للاستغلال، فكل طفل يبقى في المدرسة وكل شاب يجد فرصة عمل لائقة وكل امرأة تتمتع بالحماية القانونية والاجتماعية وكل مهاجر يسلك طريقًا آمنًا ومنظمًا يمثل انتصارًا حقيقيًا في هذه المعركة، حتى وإن لم يظهر اسمه في إحصاءات أجهزة العدالة الجنائية، فالهدف النهائي ليس مجرد معاقبة المتاجرين بالبشر، وإنما الوصول إلى مجتمع لا تجد فيه هذه الجريمة البيئة التي تسمح لها بالنمو، لأن الإنسان عندما يتمتع بالكرامة والحرية والفرصة العادلة يصبح عصيًا على أن يتحول إلى سلعة، وتصبح هشاشته أقل قابلية لأن يستثمرها الآخرون أو يحققوا الربح من خلالها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. شاهد على العصر - صفقة السلاح السرية.. مدير المخابرات يكشف س
.. ما وراء الخبر | كيف ينهي الاحتلال آثار أوسلو ويفرض التطهير ا
.. جنيف تستضيف مؤتمرا دوليا عن الأسرى الفلسطينيين