الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى
(Oday Hatem)
2026 / 7 / 30
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
العلمانية لا تحمي السلطة السياسية من تدخّل رجال الدين فحسب، بل تحمي الدين نفسه من تغوّل الدولة واستغلالها له. إنها ليست إلحادًا مقنّعًا كما يروّج بعض المتشددين، بل موقف حضاري يقوم على الاحترام العميق لكل الأديان والمذاهب، والمساواة التامّة بينها، وحرية الفرد المطلقة في اختيار معتقده وطريقة تعبّده.
تطلب العلمانية من الدولة أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان، فلا تميل إلى دين على حساب آخر، ولا تمنح أيًا منها امتيازاتٍ تُخلّ بمبدأ المواطنة. باختصار، هي الفصل الواضح بين الدين والدولة؛ ليبقى الدين طاهرًا في ضمائر الناس، وتبقى الدولة عادلة محايدة في تدبير شؤون المجتمع.
في الدولة العلمانية، لا يُبنى القرار السياسي أو التشريعي على نصوص غيبية، بل على العقل والدليل العلمي والمصلحة العامة. يصدر التشريع عن برلمان منتخب، مدعوم بخبراء متخصصين، ويخضع لنقاش عام حر وشفاف، تشارك فيه مختلف فئات المجتمع. أما في الدولة الدينية، فيكون مصير الأمة مرهونًا باجتهاد فرد واحد أو جماعة محدودة، مهما بلغت درجة علمهم الشرعي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: استبداد يرتدي ثوب القداسة، وهو أشد أنواع الاستبداد فتكًا.
يحاول بعض دعاة الدولة الدينية تحميل العلمانية وزر الشمولية التي سادت العالم العربي عقودًا، غير مدركين - أو متجاهلين - أن معظم الأنظمة التي حكمت خلال تلك الفترة لم تكن علمانية بحق. لقد فرضت دينًا أو مذهبًا رسميًا، وحوّلت مؤسسات الدولة إلى أدوات دعاية دينية، فكان حكمها أقرب إلى الشمولية الدينية منه إلى العلمانية الحقة.
ولا تُحسب العلمانية على الثورة الفرنسية وحدها، فجذورها الفكرية تعود إلى قلب التراث الإسلامي. كان ابن رشد، عالم الدين والفيلسوف، من أوائل من أرسى أسس التمييز بين مجال العقل ومجال الوحي. وسار على نهجه علماء أجلّاء من السنة والشيعة، أمثال: محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، والأخوند الخراساني، وهبة الدين الشهرستاني، والشيخ محمد حسين النائيني، والسيد أبو القاسم الخوئي. لقد رفض هؤلاء جميعًا فكرة "ولاية الفقيه" السياسية و"إمارة المؤمنين" كما طُبّقت تاريخيًا، محذرين من تحوّل رجال الدين إلى أرباب يستعبدون الناس باسم الدين، وهو ما حذّر منه القرآن الكريم ذاته: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾.
وقد بلغ الشيخ النائيني ذروة هذا الوعي حين وصف الاستبداد الديني بأنه "أسوأ أنواع الاستبداد" لأنه يتدثّر بالقداسة، ونبّه في رسالته الشهيرة "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" إلى خطورة تحالف الاستبداد السياسي مع الاستبداد الديني، معتمدًا مع غيره من العلماء على نصوص قرآنية واضحة من قبيل: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، و﴿وَمَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
وتؤكد التجارب التاريخية أن الأديان تزدهر وتتنفس بحرية أكبر في ظل الدولة العلمانية الديمقراطية، لأن الإيمان فيها يكون اختيارًا حرًا لا إكراهًا. حين تكفل الدولة حرية المعتقد والتعددية الدينية، تنشأ منافسة إيجابية بين الأديان، فيسعى كل طرف إلى تجديد نفسه وإقناع الناس بطواعية. أما أخطاء الحكام فتبقى محصورة فيهم، لا تلوّث الدين ولا تلقي بظلالها على المقدّس.
بل إن الطبيعة البشرية ذاتها تشهد لهذه الحقيقة: فالإنسان بطبيعته أميل إلى ما يُمنع منه، وأكثر فضولًا تجاه ما يُحظر عليه، وأشد تمرّدًا على ما يُفرض عليه بالقسر. وحين تُغلق أبواب السماء بالسلاسل، يبحث الناس عن نوافذ الأرض. التجربة الإنسانية، في كل مكان وزمان، تعلّمنا أن الإيمان الحقيقي لا ينبت في تربة الإكراه، وأن التدين القسري يفرز إما النفاق الاجتماعي وإما التمرد الصامت. التاريخ وحده يروي لنا كيف أن المجتمعات التي ضُيّق فيها على حرية الضمير أنتجت موجات من الإلحاد واللامبالاة، لا من التدين الصادق.
إن الدين - أي دين - لا يستطيع أن يكون جامعًا لشعب متنوع الأديان والمذاهب والأعراق، لأن حتى أتباع الدين الواحد يختلفون في تأويل نصوصه وتفسير تعاليمه. أما الجامع الحقيقي للأمة فهو الوطن والمواطنة والمصلحة المشتركة. وهذه المصلحة لا تتحقق إلا في ظل دولة مدنية حديثة، تقوم على العدل والمساواة وسيادة القانون والعقل، بعيدًا عن كل أشكال الشمولية، دينية كانت أم قومية أم أيديولوجية.
العلمانية ليست عداءً للدين، بل هي أرقى صور الاحترام له. إنها الدرع الذي يصون قدسية الدين من تلويث السياسة، ويحمي الدولة من استغلال الدين. هي الطريق إلى مجتمعٍ ينعم فيه الإنسان بحريته، وتزدهر فيه الأفكار، وتتقدّم فيه الأمة بالعلم والعدل والإنسانية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. شبكات - اعتنق الإسلام في الدوحة ورحل فيها.. أهل قطر يلبون ند
.. بعد استقالته .. مفاجآت عن تمويل مخابرات الكيان الصهيوني لقن
.. اقتحامات واسعة للأقصى بالتزامن مع الأعياد اليهودية وسط حماي
.. اقتحامات للأقصى وحظر تجول واعتداءات بالضفة بالتزامن مع الأعي
.. مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى بحماية شرطة الاحتلال تزامنا م