الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


متاهة الوعي الفلسطيني: حين يبتلع التيه الثوابت وتصبح -العمالة- وجهة نظربقلم !

منير السباح

2026 / 7 / 30
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


]لم تكن نبوءة القائد الشهيد صلاح خلف (أبو إياد) حين حذر من تحول الخيانة إلى "وجهة نظر" مجرد تخوف عابر، بل كانت استشرافاً دقيقاً للمنحدر الأخلاقي الذي يغرق فيه المشهد الفلسطيني اليوم. ومع تآكل الرافعة الثورية تحت وطأة الحصار الجيوسياسي، والضغوط المالية، والابتزاز السياسي، تفشت "سيولة أخلاقية" مرعبة في الشارع. لقد تجاوزنا مرحلة الانقسام السياسي التقليدي إلى مرحلة "التيه الوجودي" للمواطن، الذي وقف حائراً عاجزاً عن الاصطفاف، بعدما رأى الثوابت تُميع، والرموز تسقط، حتى بات السقوط الوطني والارتماء في أحضان الميليشيات العَميلة سلوكاً يجرؤ أصحابه على تبريره علناً تحت لافتة "البقاء، أو غياب البديل، أو الحماية الفئوية".في المقابل، صعد نهج آخر متسلحاً بالشعارات الثورية والآيات القرآنية، لكنه وقع في فخ الاندفاع غير المدروس الذي أثقل كاهل الحاضنة الشعبية بكلفة دموية ودمار غير مسبوق، مما استدعى مقولة القائد التاريخي أبو علي إياد: "إذا رأيت الجبان يتقدم والشجاع يتأخر، فاعلم أن في الأمر خيانة". هكذا انقسم الشارع إلى فريقين: الأول يرى في "الواقعية والتنازل المستمر" عملاً وطنياً ودبلوماسية بالغة الصبر، والآخر يرى في "التهور العسكري غياباً للمسؤولية" وتوافقاً موضوعياً مع غايات المحتل للإجهاز على ما تبقى من القضية. بين تفريط الأول ومغامرة الثاني، نشأت بيئة خصبة لـ "نسبية الأخلاق"، حيث لكل طرف خطابه الإعلامي وجيوشه الإلكترونية التي تحوّل الكارثة إلى "وجهة نظر"، وتشرعن السقوط كـ "خيار إستراتيجي".هذا التيه يدفعنا مجبراً إلى العودة لمحاكمة التاريخ وفتح ملف "المراجعات الجريئة". كيف ننظر اليوم إلى مئات الحالات التي عُذبت، أو شُوِّهت، أو صُدّرت بحقها "أحكام ثورية" بالإعدام والإقصاء المجتمعي بتهم الخيانة عبر العقود الماضية؟ إن إعادة قراءة هذا الملف تكشف بوضوح أن غياب المرجعية الأخلاقية والقانونية الموحدة حوّل "التخوين" في كثير من الأحيان إلى أداة للتصفيات الفصائلية الحزبية، أو ذريعة لمداراة الفشل والهزائم. لقد أُزهقت دماء ونُبذت عائلات بأحكام ميدانية افتقرت للعدالة، في حين يُعاد اليوم تدوير عملاء حقيقيين وميليشيات مشبوهة في صالونات السياسة كـ "شركاء في المرحلة". إن غياب المراجعة والمحاسبة التاريخية هو ما شرعن السيولة الأخلاقية الحالية، وجعل الشارع يفقد إيمانه بجدوى التضحية.وفي قلب هذه المأساة، يبرز سقوط النخب وغياب دور المثقف الفلسطيني كأحد أخطر مظاهر التحلل الراهن. لقد تحول قطاع واسع من المثقفين والأكاديميين من "حراس للوعي والبوصلة الوطنية" إلى "منظرين ومبررين" لخطايا الفصائل. انقسم المثقفون تبعاً لتمويلهم وولاءاتهم الحزبية؛ فمنهم من وظّف قلمه لشرعنة التنازل والتفريط تحت مسمى "العقلانية والواقعية"، ومنهم من برر التهور ودمار الحاضنة الشعبية تحت مسمى "الصمود الحتمي"، فيما اختارت فئة ثالثة الصمت والهروب إلى الأبراج العاجية خوفاً من مقصلة التخوين الفصائلي أو الإقصاء المعيشي. إن تخلي المثقف عن دوره النقدي المستقل، وتحوله إلى "مروّج" لبروباغندا الحزب، هو الذي منح الخيانة غطاءها الفكري، وترك المواطن البسيط وحيداً في عراء التيه، بلا مرجعية فكرية تحميه من السقوط الأخلاقي أو الاصطفاف الأعمى.لكي لا يبتلعنا هذا التيه، ولكي نحكم على مستقبلنا بوعي صلب، بات لزاماً علينا إعادة ترسيم الحدود الفاصلة بين "الثابت" و**"المتحرك"** في الوعي الفلسطيني:الثوابت (المقدس الأخلاقي والوطني): وهي البوصلة التي لا تقبل القسمة ولا التعددية السياسية. الأرض من النهر إلى البحر، وحق المقاومة المشروعة، وحق العودة، وحرمة الدم الفلسطيني، ورفض التنسيق أو العمالة مع المحتل تحت أي مبرر معيشي أو أمني. الثابت هو "الغاية الإستراتيجية" التي مات من أجلها الشهداء، وهي خارج صندوق "وجهات النظر".المتحرك (الهامش التكتيكي والسياسي): وهو مساحة الإدارة، والتحالفات، وأشكال العمل النقابي والدبلوماسي، والخطط الاقتصادية لتعزيز صمود الناس. المتحرك هو "الوسيلة" التي تخضع للنقد، والمراجعة، والتغيير بناءً على موازين القوى، شريطة ألّا تصطدم بالثابت أو تلغيه.إن الحكم على مستقبلنا يتطلب شجاعة أخلاقية تتجاوز الفصائلية المريضة، وتبدأ أولاً باستعادة المثقفين لجرأتهم وتشكيل جبهة وعي مستقلة تحاكم الحزبين والنهجين بمسطرة المصلحة الوطنية العليا. لن يستقيم القادم إذا استمرت سلطة رام الله في رؤية التنازل "واقعية"، وسلطة غزة في رؤية المغامرة "انتصاراً مطلقاً"، وسط شارع يبرر للميليشيات عمالتها. المستقبل يبدأ من "ثورة وعي" تعيد الاعتبار للمنظومة الأخلاقية الفطرية للشعب الفلسطيني؛ الوعي الذي يؤمن بأن الأمانة للوطن تقتضي شجاعة المواجهة وحكمة التدبير معاً، وأن "وجهات النظر" الحزبية تذهب جفاءً، وتبقى الأرض وثوابتها الأخلاقية هي الحقيقة الوحيدة التي لا تموت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف


.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي




.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا


.. نافذة تحليلية | دمشق وأنقرة تدينان العدوان الإسرائيلي وتطالب




.. خارج الصندوق | إيران هربت من مواجهة إسرائيل بالاعتداء على ال