الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التوازن الإقليمي الهش وتفكيك التقارب : القراءة الشاملة لتداعيات الضربة السعودية على العراق ومستقبل الفصائل.
مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Muhannad Al Madani)
2026 / 8 / 1
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة/ الزلزال الجيوسياسي يكمن في التوقيت الخاطىء، تمثل أي ضربة عسكرية مباشرة تقودها دولة خليجية بحجم المملكة العربية السعودية ضد أهداف داخل الجغرافيا العراقية تحولاً دراماتيكياً وزلزالاً جيوسياسياً غير مسبوق في المنطقة.
إن هذا الحدث لا يمكن التعاطي معه كإجراء أمني تكتيكي أو حدث عابر في سجل الصراعات الإقليمية، بل كقطع حاد مع مرحلة كاملة من محاولات إرساء التهدئة وبناء جسور التواصل.
إن القراءة التفكيكية والأكاديمية لمخرجات هذا الحدث تتطلب النظر بعمق إلى التوازنات الهشة، وتاريخ العلاقات المعقد، والمستقبل الأمني للمنطقة. وتتلخص الأطروحة الأساسية لهذا التحليل في أن هذه الضربة – وبصرف النظر عن دوافعها ومسبباتها – قد أدت إلى تفكيك معادلة التوازن الهش، وإحراج مشروع الدولة العراقية، وتقديم خدمة استراتيجية مجانية للقوة الموازية عبر منحها (شرعية وجودية) غير مسبوقة.
1/ الانزلاق الاستراتيجي وإعادة تعريف العقيدة الأمنية:
تُشكل هذه العملية مساساً مباشراً بأسس الأمن القومي العراقي وتوازنات القوى الإقليمية، وتترك آثاراً استراتيجية عميقة في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أ- انكسار مشروع (الدولة الجسر والوسيط الدبلوماسي والتجاري) والاندفاع الاضطراري نحو إيران:
سعت الدبلوماسية العراقية على مدى العقد الأخير – وعبر حكومات متعاقبة – إلى إعادة دمج العراق في محيطه العربي والخليجي، وتجاوز تركة العقود الماضية عبر ملفات المصلحة المشتركة (كالربط الكهربائي، وتنشيط حركة الاستثمارات، وفتح منافذ الحدود مثل منفذ عرعر). غير أن هذا السلوك العسكري ينسف هذه الجهود بالكامل، إذ يضع صانع القرار السيادي في بغداد أمام انسداد استراتيجي، فلا يجد أمامه أمناً وعمقاً حيوياً متاحاً سوى الاندفاع الاضطراري الكامل باتجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مما ينهي دور (العراق كـجسر للتقارب) ويحوله رسمياً إلى (ساحة انحياز محوري).
ب- إعادة تعريف العقيدة العسكرية ومصادر التهديد:
تركزت العقيدة الأمنية والوثائق الاستراتيجية للمؤسسات العسكرية الرسمية في العراق خلال السنوات الماضية على مكافحة الإرهاب الداخلي والعصابات الإرهابية، وكانت الرياض تُصنف ضمن أطر الشراكة الإقليمية لمواجهة هذا التهديد. لكن اقدام السعودية على ضرب أهداف داخل العراق سيفرض تحولاً مفصلياً في العقيدة الأمنية العراقية، إذ ستتحول المملكة من (شريك محتمل) إلى (مصدر تهديد مباشر أو عدو مفترض) في أدبيات التخطيط الاستراتيجي العراقي.
ج- تكريس عقدة المحيط المعادي:
قد تدفع هذه الضربات الذهنية السياسية والأمنية في بغداد إلى النكوص واستعادة عقلية (الدولة المحاطة بالأعداء) التي سادت في مراحل سابقة. هذا النكوص يمنح الخطاب المتشدد داخل العراق مشروعية عالية في الترويج لأن المحيط العربي يضمر تهديداً تآمرياً مستمراً للكيان العراقي، مما يدفع الدولة ولو نظرياً لإعادة دراسة شبكة تحالفاتها العسكرية والتسلحية بعيداً عن المنظومات التابعة للغرب أو الحليفة للخليج.
2/أزمة الدولة وإعادة هيكلة موازين القوة الداخلية:
تضرب تداعيات الضربة مشروع الدولة العراقية في الصميم، وتحد من قدرة السلطات التنفيذية على المناورة السياسية أو فرض القانون:
أ- الإحراج السياسي الحاد للسلطة التنفيذية: إن وقوع الضربات في توقيتات سياسية مثل الزيارات الرسمية لبعض المسؤولين إلى الرياض – يظهر رئيس الوزراء والحكومة بمظهر (الضعيف والمخدوع إقليمياً). هذا الإحراج يضطر القيادة السياسية إلى اتخاذ مواقف متشددة ومقاطعة دبلوماسية قاسية لتجنب اتهامها من قبل الخصوم بالسذاجة السياسية أو التفريط بالسيادة.
ب- تقويض برنامج حصر السلاح بيد الدولة: ألزمت الحكومة العراقية نفسها أمام المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية بتنفيذ خطة تفكيك الفصائل وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. غير أن أي ضربة خارجية تجعل هذه الالتزامات غير واقعية ومستحيلة التطبيق ميدانياً وسياسياً، إذ تصبح المطالبة بتجريد الفصائل من سلاحها في نظر الشارع بمثابة تجريد للبلاد من وسائل دفاعها.
ج- إضعاف التيار العروبي والوطني المعتدل: تشكل هذه الضربات إجهاضاً لمساعي القوى والساسة الذين يراهنون على أن مصلحة العراق تكمن في الاندماج بالعمق العربي، حيث تفقد هذه القوى حجتها ورصيدها أمام الجمهور وتتراجع قدرتها على الدفاع عن خيار الاعتدال والحياد.
3/مستقبل الفصائل (من السلاح الموازي إلى الضرورة الوجودية):
يُعد أثر الضربة على ملف الفصائل المسلحة النقطة الأكثر حرجا في هذا التحليل، حيث حققت الضربات نتائج عكسية تماماً لمصمميها عبر التسلسل التالي:
أ- إظهار عجز المنظومة الدفاعية الرسمية: تُظهر الضربات أن الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية الرسمية – على الرغم من تسليحها وتجهيزها – تكبلها الأطر السياسية والقيود التسليحية الغربية التي تمنعها من امتلاك منظومات دفاع جوي قادرة على التصدي للانتهاكات الخارجية.
ب- التحول نحو الشرعية العقائدية: في مقابل عجز المؤسسة الرسمية، تُقدّم الفصائل المسلحة نفسها وتكتيكاتها المرنة (كقوة الردع الوحيدة المتبقية لحماية البلاد). هذا التحول ينقل الفصائل من موقع الدفاع عن وجودها كقوة موازية إلى فرض نفسها كضرورة وجودية لا غنى عنها.
ج- التآكل الهيكلي لمؤسسات الدولة: يؤدي هذا الواقع إلى تآكل طويل الأمد في شرعية المؤسسة العسكرية الرسمية لصالح المؤسسات والمكونات العقائدية، مما يعزز النفوذ السياسي والعسكري لهذه الفصائل داخل هيكل الدولة مستقبلاً.
4/الصدمة المجتمعية والرمزية وتداعي الوجدان الجمعي:
لا تقتصر التداعيات على الأبعاد العسكرية والسياسية،إنما تمتد لتضرب الوجدان الجمعي للشارع العراقي الذي شهد
خلال السنوات الأخيرة نزوعاً متزايداً نحو التهدئة والمدنية:
أ- تجاوز حاجز المقدس وانتعاش الاستقطاب الطائفي:
إن اختيار التوقيت والجغرافيا – خاصة إذا طال الاستهداف مناطق ذات رمزية دينية عالية مثل كربلاء المقدسة أثناء إحياء الأربعينية الحسينية – يحول الحدث في قناعة الملايين إلى (اعتداء على الهوية الشيعية) وتجاوز لرمزية المقدس، بدلاً من فهمه كإجراء تكتيكي ضد فصيل مسلح. هذا الفهم يعيد تصدير الاستقطاب الطائفي إلى الواجهة ومحور الأحداث.
ب- الالتفاف الشعبي التلقائي: يؤدي سقوط الشهداء والجرحى من أبناء هذه المناطق أو الفصائل إلى توليد حالة تعاطف جماهيري عاطفي وتلقائي تتجاوز الخلافات السياسية اليومية حول أداء الفصائل، وتخلق حالة تضامن شعبي محلي وضغط اجتماعي على الحكومة.
ج- عقدة الدولة الضعيفة ونموذج المقارنة: يُحدث عدم رد الحكومة عسكرياً فجوة عميقة بين الشارع والسلطة، حيث يضع الجمهور الموقف العراقي الرسمي في مقارنة قاسية مع أطراف إقليمية أخرى تملك الجرأة على الرد، مما يُرسخ في الوجدان الشعبي قناعة مفادها أن الدولة الرسمية ضعيفة وتابعة، وأن نموذج القوة والكرامة الوطنية يتمثل في القوى العقائدية والفصائل.
ختاماً /السيناريوهات المستقبلية ومحصلة الحسابات الخاطئة:
تثبت القراءة الشاملة لتداعيات الضربة السعودية على العراق أن أي مراهنة على استخدام القوة العسكرية المباشرة لتغيير التوازنات السياسية في العراق هي مراهنة خاسرة وتؤدي إلى نتائج عكسية تماماً لأهدافها المعلنة:
أ. الهدف المُعلن (إضعاف نفوذ الفصائل المسلحة):
لكن النتيجة الفعلية هي منح الفصائل شرعية وجودية، وتعزيز مكانتها كقوة ردع أساسية، وإيجاد حالة التفاف شعبي وعاطفي حولها.
ب. الهدف المُعلن (تقليص النفوذ الإيراني في العراق):
لكن النتيجة الفعلية هي تدفيع القرار السياسي والأمني العراقي اضطرارياً للارتماء الكامل في العمق الاستراتيجي الإيراني كبديل أمني وحيد.
ج. الهدف المُعلن (إرغام الحكومة على ضبط الأمن وحصر السلاح):
لكن النتيجة الفعلية هي إحراج الحكومة، وإظهارها بمظهر الضعف، وتقويض قدرتها ومساعيها المعلنة لتطبيق برنامج (حصر السلاح بيد الدولة).
د. الهدف المُعلن (دمج العراق في محيطه العربي والخليجي):
لكن النتيجة الفعلية هي نسف سنوات من مسار التقارب الدبلوماسي والاقتصادي، وإحياء ذاكرة (المحيط المعادي) وإعادة الاستقطاب الطائفي للواجهة.
وأخيراً/إن هذه الضربة لا تعني مجرد خسارة جولة دبلوماسية، بل تعني تفكيكاً كاملاً لسنوات من العمل على صياغة توازن إقليمي ووضع العراق أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد الذي تكون فيه الكفة لصالح السلاح الموازي، وتتراجع فيه فكرة (الدولة الوطنية المعتدلة).
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بوتين وشي جينبينغ في الهند للمشاركة في قمة دول البريكس
.. الأردن في مرمى الصواريخ الإيرانية.. ما هي قدرة عمان على التح
.. الحوثيون يقتربون من باب المندب.. إلى أين تتجه المعارك؟ | #غر
.. الحوثيون يهددون باب المندب.. وترامب يرفض طلبا سعوديا بالتدخل
.. لبنان.. سكان صريفا يعودون إلى بلدتهم وينتظرون وعود إعادة الإ