الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جمارٌ مسموم

حنين عبد الرسول راضي

2026 / 8 / 1
الادب والفن


لطالما كان الإنسان أسيرًا لما يراه ويسمعه، فينجذب إلى جمال الظاهر قبل أن يبحث عن حقيقة الباطن. فالكلمات أحيانًا تمتلك سحرًا يجعلها أقوى من الحقائق، وقد ترفع صاحبها إلى مكانة لا يستحقها، لا لشيء سوى أنه أحسن اختيار عباراته.

ومن هنا تبدأ حكايةٌ شهدها أحد الرجال، فقصّها على أحفاده ليترك لهم عبرتها.

يقول:

احتضنتُ طيرًا صغيرًا من الغابة، وربّيته كما تُربّي الأم ولدها، حتى كبر وأصبح ببغاءً طليق اللسان، معسول الكلام، محبوبًا بين الناس.

وفي أحد الأيام، سمعته يردد كلماتٍ لم يفهم معناها، كان قد التقطها من أحدهم، فقال:

"جمار هذه الشجرة كالعسل في سكره."

أُعجب الناس بهذه العبارة، وبدأوا ينظرون إلى تلك الشجرة نظرة مختلفة، فقد صدّقوا أن وراء هذا الكلام حقيقة عظيمة، وأن الببغاء لا يمكن أن يقول شيئًا بلا سبب. فأحاطوا الشجرة باهتمامٍ بالغ، متناسين أن جمال الكلمات لا يعني دائمًا صدق المعاني.

أما صاحب الببغاء، فكان يعلم حقيقة الأمر؛ كان يعرف أن طيره لا يفقه ما يقول، وأنه لم يكن سوى مقلّدٍ لصوتٍ سمعه. لكنه رأى كيف أسرت حلاوة الكلام عقول الناس، وكيف جعلتهم يمنحون الثقة لمن لا يملك دليلًا سوى حسن التعبير.

وفي إحدى الليالي، هاجم حيوانٌ ضخمٌ مفترس تلك الشجرة، بعدما اختبأت فريسته بين أغصانها. وبقوته وعنفه اقتلعها من جذورها، وبدأ يمزقها حتى وصل إلى جمارها، فتذوق منه.

ولم تمضِ لحظات حتى سقط الحيوان أرضًا ميتًا.

اجتمع الناس حول المشهد يبحثون عن سبب ما حدث، حتى اكتشفوا أن الجمار الذي ظنوه حلوًا كالعسل كان يحمل سمًّا قاتلًا في داخله.

عندها التفتوا إلى الببغاء، وحمّلوه مسؤولية ما حدث، لأنه أوهمهم بكلامه المعسول أن الشجرة تخفي خيرًا لا ضررًا.

لكن صاحب الطير قال لهم:

"أتلقون اللوم على الببغاء بسبب كلمات أحببتم سماعها؟ لقد صدّقتموه لأن عباراته أعجبتكم، لا لأنكم بحثتم عن حقيقتها. إن الطير لا يدرك ما يقول، وذنبه الوحيد أنه امتلك صوتًا جميلًا، أما الخطأ الحقيقي فكان فيمن جعل جمال الكلام دليلًا على صدقه."

ثم أنهى الرجل حديثه لأحفاده قائلًا:

"يا أولادي، لا تجعلوا حلاوة الكلمات تخدعكم عن حقيقة الأشياء، فكم من عسلٍ أخفى سمًّا، وكم من صمتٍ حمل من الحكمة ما لم تحمله الخطب الطويلة. احترموا الأفعال أكثر من الأقوال، فالكلمات يستطيع الجميع قولها، أما الأفعال فلا يثبتها إلا الصادقون."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العرض الأول لفيلم -نازا- في البندقية يوثق استهداف المدنيين ب


.. لعبة ريد فلاج?? مع أبطال الفيلم ضحك غير طبيعي??




.. إلهام شاهين: المنتجون هم اللي بوّظوا الممثلين ودلّعوهم


.. فيلم -نازا-.. مخرجان إسرائيليان يوثقان حرب غزة من أسطح تل أب




.. فنانو الطباشير يكرمون ضحايا الرحلة 93 برسومات في ذكرى هجمات