الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الحسين درس لم ينجح به أحد
رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
2026 / 8 / 1
قضايا ثقافية
الحسين ليس مناسبة تمر في التقويم ثم تنتهي وليس مسيرة تقاس بعدد الخطوات التي قطعها الزائرون ولا راية ترفع ولا صوتا يعلو ولا مظهرا يتكرر كل عام فالحسين قبل أن يكون ذكرى هو سؤال كبير وضعه التاريخ أمام الإنسان وما زال هذا السؤال قائما حتى اليوم ولذلك أقول إن الحسين درس لم ينجح به أحد لأن الامتحان الذي تركه لم يكن امتحانا في الحضور إلى كربلاء ولا في كثرة البكاء ولا في إقامة الشعائر وإنما كان امتحانا في القدرة على أن يقف الإنسان مع الحق عندما يصبح الحق مكلفا وأن يرفض الظلم عندما يكون السكوت عنه أكثر راحة وأن يحافظ على كرامته عندما يكون التنازل عنها أقصر طريق إلى النجاة
الحسين بن علي لم يخرج ليصنع حول نفسه طقسا موسميا ولم يطلب من الناس أن يحولوا مأساته إلى مجرد مظاهر تتكرر ثم تنتهي بانتهاء الأربعين وإنما ترك موقفا إنسانيا وسياسيا وأخلاقيا شديد الصعوبة لأنه وضع الإنسان أمام نفسه وسأله ماذا تفعل عندما تتعارض مصلحتك مع مبادئك وماذا تفعل عندما يصبح الخوف أقوى من صوت الضمير وماذا تفعل عندما يكون الطريق إلى السلامة هو أن تتنازل عن الحقيقة
ومن هنا تبدو المفارقة الكبيرة في كل ما يحدث باسم الحسين فربما يستطيع الإنسان أن يسير عشرات الكيلومترات من أجل الحسين لكنه لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة في طريق الحق وربما يستطيع أن يبكي على مقتل الحسين لكنه لا يستطيع أن يبكي على مظلوم يعيش إلى جواره وربما يرفع اسم الحسين عاليا لكنه يخفض رأسه أمام الظلم وربما يردد أن الحسين انتصر على الطغيان ثم يمارس في حياته اليومية صورا من الظلم والاستعلاء والإقصاء وكأن الحسين لم يكن موجودا إلا في الذاكرة وليس في السلوك
إن المشكلة ليست في الزيارة بحد ذاتها ولا في إحياء الذكرى ولا في الشعائر التي يراها أصحابها تعبيرا عن الوفاء وإنما المشكلة تبدأ عندما تصبح الوسيلة بديلا عن الغاية وعندما يتحول الرمز العظيم إلى عادة موسمية وعندما يعتقد الإنسان أن كثرة ما يفعله من مظاهر تعفيه من السؤال الأصعب وهو ماذا غير الحسين في أخلاقك وماذا غير في علاقتك بالضعيف وماذا غير في موقفك من الظلم وماذا غير في قدرتك على قول لا عندما يكون قول نعم أكثر منفعة لك
الحسين كان درسا في الاختيار والاختيار الحقيقي دائما مؤلم لأن الإنسان لا يعرف قيمة مبادئه عندما تكون مجانية وإنما يعرفها عندما يدفع ثمنها ولهذا كان موقف الحسين عظيما لأنه وضع المبدأ فوق المصلحة والكرامة فوق السلامة والموقف فوق الحسابات الشخصية وهذه هي النقطة التي تجعل درسه صعبا إلى درجة أن كثيرا ممن يرفعون اسمه قد لا يستطيعون اجتياز الامتحان الذي تركه
الحسين لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الفهم ولا يحتاج إلى أن يكون اسمه حاضرا في الشوارع فقط بل أن يكون معناه حاضرا في الضمير ولا يحتاج إلى أن نسأل كم شخصا زار كربلاء بقدر ما ينبغي أن نسأل كم إنسانا خرج من هذه الذكرى أكثر عدلا وأكثر صدقا وأكثر رحمة وأكثر شجاعة في مواجهة الظلم
لقد مات الحسين مرة واحدة ولكن الامتحان الذي تركه يتكرر كل يوم فكل إنسان يجد نفسه في لحظة ما أمام موقف يختار فيه بين الحقيقة والمصلحة وبين الكرامة والخضوع وبين الشجاعة والخوف وبين أن يكون جزءا من الظلم أو أن يرفضه ولذلك فإن كربلاء ليست مكانا فقط بل حالة إنسانية تتكرر في كل زمان والحسين ليس شخصية تاريخية انتهى دورها بانتهاء المعركة بل فكرة أخلاقية لا تزال تحاكم الإنسان إلى اليوم
ولهذا أقول إن الحسين درس لم ينجح به أحد لأن النجاح في هذا الدرس ليس أن تعرف قصة الحسين وإنما أن تمتلك شيئا من شجاعته وليس أن تبكي عليه وإنما أن تتألم للظلم الذي كان يرفضه وليس أن ترفع رايته وإنما أن ترفض أن تكون راية للظلم وليس أن تزور قبره فقط وإنما أن تزور داخلك وتسأل ماذا بقي من الإنسان الذي كنت أظنه في نفسي
قد تكون المسافة إلى كربلاء طويلة ولكن المسافة بين الإنسان ومبادئه قد تكون أطول وقد يكون الوصول إلى ضريح الحسين أسهل بكثير من الوصول إلى المعنى الذي مات من أجله ولذلك فإن أصعب زيارة ليست زيارة المكان وإنما زيارة الضمير وأصعب شعيرة ليست ما يراه الناس وإنما ما يراه الإنسان في نفسه عندما يكون وحيدا أمام قرار لا يعرفه أحد
الحسين لم يطلب من التاريخ أن يحفظ اسمه فقط بل ترك للتاريخ موقفا لا يستطيع الزمن أن يمحوه ومع ذلك فإن أعظم خطر يواجه الرموز الكبرى هو أن تتحول إلى عادات فارغة من المعنى وأن يصبح الاحتفال بها أسهل من الالتزام بما تمثله فكلما كثر الكلام عن الحسين دون أن يتغير سلوك الإنسان ابتعدنا عن الدرس وكلما ارتفعت الشعارات دون أن ترتفع قيمة الإنسان ضاعت الغاية وكلما ازدادت المظاهر بينما بقي الظلم حاضرا في حياتنا اليومية أصبح علينا أن نسأل أنفسنا هل فهمنا الحسين حقا أم أننا اكتفينا بتكرار اسمه
ربما لهذا السبب كان درس الحسين أصعب من أن ينجح فيه أحد نجاحا كاملا لأن الإنسان ضعيف أمام مصالحه وخوفه وغرائزه وحساباته والحسين جاء في اللحظة التي كان المطلوب فيها أن يكون الإنسان إنسانا قبل أن يكون تابعا أو مقلدا أو صاحب شعار
ومن المؤلم أن يتحول الحسين أحيانا من ثورة على الظلم إلى مناسبة ينسى فيها البعض جوهر الثورة ومن دعوة إلى الكرامة إلى مجرد طقوس ومن مدرسة للأخلاق إلى منافسة في المظاهر بينما يبقى السؤال الحقيقي واقفا في مكانه هل نحن أقرب إلى الحسين في أخلاقنا أم أننا فقط أكثر قدرة على الحديث عنه
إن أعظم وفاء للحسين ليس أن نكثر من ذكره فقط وإنما أن نفهم لماذا رفض وأن ندرك أن الإنسان يمكن أن يخسر حياته ولا يخسر كرامته ويمكن أن يخسر الدنيا ولا يخسر نفسه ويمكن أن يقف وحيدا ولا يقف مع الباطل وهذا هو الدرس الذي جعل الحسين عظيما وجعل الامتحان بعده أصعب
لذلك فإن الأربعين ليست نهاية الحكاية بل فرصة لإعادة قراءة الحكاية وربما يكون السؤال الأهم في كل أربعين ليس كم شخصا وصل وكم راية رفعت وكم قصيدة قيلت وإنما كم إنسانا عاد من هذه الذكرى وهو أكثر إنصافا لمن حوله وأكثر رفضا للظلم وأكثر رحمة بالضعفاء وأكثر صدقا مع نفسه
الحسين درس لم ينجح به أحد لأن النجاح فيه لا يمنح بشهادة ولا يقاس بعدد الزائرين ولا بطول المسافة وإنما يظهر في لحظة الحقيقة حين لا يكون هناك جمهور ولا كاميرات ولا تصفيق وحين يكون أمام الإنسان طريقان أحدهما أكثر أمانا ولكنه أقل كرامة والآخر أكثر كلفة ولكنه أكثر صدقا عندها فقط يبدأ امتحان الحسين الحقيقي وعندها فقط نعرف إن كنا قد فهمنا الدرس أم أننا ما زلنا نكرر عنوانه دون أن نقرأه
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا
.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية
.. التيارات السياسية في إيران بين تداعيات الحرب وصنع القرار
.. نتنياهو: إسرائيل لن تسمح لأي جيش بالتمركز على حدودها
.. خارج الصندوق | وزير دفاع إسرائيل لـ-الشرع-: نحن على جبل الشي