الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحمل في قلبه

يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)

2026 / 8 / 2
قضايا ثقافية


ليست المشكلةُ أن يسعى الإنسانُ إلى المال، ولا أن يطمحَ إلى حياةٍ أفضل؛ فالمالُ ضرورةٌ، والعملُ كرامةٌ، والسعيُ عبادةٌ.

لكنَّ المشكلةَ تبدأُ عندما يتحوَّل المالُ من وسيلةٍ إلى معيارٍ، وتتحوَّل المصلحةُ من استثناءٍ إلى أساسٍ، ويصبح السؤالُ الأولُ عن الإنسان: ماذا يملك؟ قبل أن يكون: من هو؟

هنا يبدأُ التحوُّل.

ليس تحوُّلًا اقتصاديًّا، بل تحوُّلٌ في ميزانِ القيم.

ففي زمنِ التحوُّل، لم تعد العلاقاتُ تُبنى دائمًا على المودَّة، بل على الجدوى.

ولم يعد الإنسانُ يُقدَّرُ دائمًا لأخلاقه، بل لما يستطيعُ أن يقدِّمه.

حتى داخل بعض الأسر، أصبح الابنُ الأكثرُ قدرةً على الإنفاق، أو صاحبُ المنصب، أو النفوذ، يحظى أحيانًا بمكانةٍ أعلى من أخيه، لا لأنَّه أكثرُ برًّا، بل لأنَّه أكثرُ منفعةً.

وفي الصداقة، لم يعد السؤالُ: هل هو صديقٌ وفيٌّ؟ بل: هل يفيدني؟

وفي الحب، أصبح بعضُ الناس يبحثُ عمَّن يؤمِّنُ مستقبلَه قبل أن يؤمِّنَ قلبَه.

وفي الأخوَّة، بقيت علاقاتٌ كثيرةٌ حيَّةً ما دامت المصالحُ حيَّةً، فإذا انتهت المنفعةُ، انتهى معها القرب.

وهنا يقولُ ميزانُ القرب:

"العلاقةُ لا تبدأُ بالانهيار عندما تقلُّ المحبَّة، بل عندما تصبحُ المصلحةُ هي اللغةَ الوحيدةَ بين الطرفين."

ومن هنا يولدُ مفهومُ التشقُّق.

فالتشقُّقُ ليس خصامًا، وليس قطيعةً، بل مرحلةٌ تسبقُ الانهيار.

هو اللحظةُ التي يبقى فيها شكلُ العلاقةِ كما هو، بينما تتغيَّرُ روحُها.

وقد يظنُّ الطرفان أنَّ كلَّ شيءٍ بخير، بينما الحقيقةُ أنَّ العلاقةَ فقدت إنسانيتَها، ولم يبقَ منها إلا ما تحرسُه المصالح.

ويضعُ ميزانُ القرب قاعدةً تقول:

"كلَّما اقتربت العلاقةُ من المصلحة، ابتعدت عن الإنسان. وكلَّما اقتربت من الإنسان، تحرَّرت من المصلحة."

ولعلَّ أصدقَ اختبارٍ للعلاقاتِ أن تتخيَّلَ نفسك عند هَرَمِ العمر؛ حين يهدأُ صخبُ الحياة، وتتراجعُ المصالح، وتضعفُ القدرةُ على العطاء.

عندها اسألْ نفسك:

من الذي سيبقى إلى جوارك؟

ومن الذي كان يحبُّك لأجلك، لا لأجل مالٍ، أو جمالٍ، أو جاهٍ، أو سلطةٍ؟

إنَّ هذا السؤالَ وحده يكشفُ حقيقةَ القرب.

فالحياةُ لا تُغيِّرُ العلاقات، بل تكشفُ أساسَها.

والشدائدُ لا تصنعُ الأقنعة، بل تُسقطُها.

ومن بقيَ بعد سقوطِ المصالح، فهو الذي كان قريبًا من الإنسان، لا من منافعه.

ولهذا، فإنَّ ميزانَ القرب لا يقيسُ عددَ من حولك، بل يقيسُ عددَ من بقيَ عندما لم يعد لديك ما يجذبُهم.

ويؤمنُ ميزانُ القرب بقاعدةٍ أخرى:

"كلُّ قيمةٍ تمنحُها للناس، تبني بها المجتمعَ الذي ستعيشُ فيه أنت أو سيعيشُ فيه أبناؤك."

فمن اعتاد أن يُقيِّمَ الناسَ بما يملكون، سيُسهمُ في صناعةِ مجتمعٍ يُقيِّمُ أبناءَه بالميزانِ نفسه.

ومن حفظَ للإنسانِ قيمتَه لذاته، أسهمَ في بناءِ مجتمعٍ لا تسقطُ فيه الكرامةُ بسقوطِ المال.

إنَّ أخطرَ ما في زمنِ التحوُّل ليس أنَّ الناسَ أصبحوا يحبُّون المال، بل أنَّ بعضَهم أصبحوا يرون الإنسانَ من خلاله.

وهنا يبدأُ التشقُّق.

ليس في العلاقاتِ وحدها..

بل في المجتمعِ كلِّه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المستشار الألماني يتهم حزب البديل بالسعي لممارسة تطهير عرقي


.. زيارة تاريخية للشيخ محمد بن زايد..إلى أين تتجه شراكة الإمارا




.. من واشنطن - 25 عاما على 11 سبتمبر.. كيف تبدو الذكرى وسط حرب


.. عاجل | الحكومة اليمنية تحذر المدنيين من استخدام طريق تعز الم




.. المسيرات البحرية الأوكرانية تحول موازين القوى في البحر الأسو