الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شنكال ...ومسؤولية الضمير الإنساني

شكري شيخاني

2026 / 8 / 3
حقوق الانسان


في الثالث من آب عام 2014، لم تكن شنكال (سنجار) مجرد منطقة عراقية سقطت بيد تنظيم داعش، بل كانت مسرحاً لجريمة إنسانية كبرى استهدفت وجود شعب كامل. فقد تعرض الإيزيديون لحملة ممنهجة هدفت إلى القضاء على هويتهم الدينية والثقافية والاجتماعية، عبر القتل الجماعي والخطف والاغتصاب والاستعباد والتهجير القسري وتدمير القرى والمزارات.

إن ما حدث في شنكال لم يكن مجرد نتيجة لفوضى الحرب، بل كان تطبيقاً لعقيدة متطرفة قامت على إنكار حق الآخر في الوجود، وهو ما يجعلها واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين

لطالما كان الإيزيديون جزءاً أصيلاً من نسيج بلاد الرافدين، حافظوا على لغتهم وثقافتهم وتقاليدهم عبر قرون طويلة. إلا أن التنظيمات المتطرفة نظرت إليهم من منظور تكفيري قائم على الكراهية ورفض التنوع الديني.

لقد استغل تنظيم داعش حالة الانهيار الأمني والسياسي في العراق، وشن هجوماً على منطقة شنكال بهدف إخضاع سكانها وإزالة وجودهم التاريخي. وكانت الرسالة التي أراد التنظيم إيصالها هي أن الأقليات الدينية لا مكان لها في مشروعه المتطرف.

تميزت الجرائم التي ارتكبها داعش في شنكال بأنها كانت منظمة وممنهجة، وليست أحداثاً فردية. فقد جرى:

- قتل آلاف الرجال والشبان بعد فصلهم عن عائلاتهم.
- اختطاف آلاف النساء والفتيات وتحويلهن إلى سبايا.
- تجنيد الأطفال قسراً وتعرضهم لعمليات غسل أدمغة.
- تدمير القرى والممتلكات والمواقع الدينية.
- دفن الضحايا في مقابر جماعية لإخفاء آثار الجريمة.

إن استهداف الرجال، وخطف النساء، وفصل الأطفال عن أسرهم، يكشف أن الهدف لم يكن السيطرة العسكرية فقط، بل ضرب أساس المجتمع الإيزيدي ومحاولة تفكيكه من الداخل.
تكشف مأساة شنكال جانباً مؤلماً من واقع النظام الدولي؛ إذ بقي المدنيون عرضة للمجازر رغم وجود مؤسسات دولية معنية بحماية حقوق الإنسان ومنع الإبادات الجماعية.

لقد أثبتت هذه المأساة أن التحذير من الجرائم لا يكفي، وأن المجتمع الدولي بحاجة إلى آليات أكثر فاعلية لمنع تكرار مآسٍ مشابهة. فالاعتراف بالجريمة يأتي متأخراً إذا لم ترافقه إجراءات لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.
لا يمكن قراءة مأساة شنكال بمعزل عن الصراعات السياسية والأمنية التي أحاطت بالمنطقة. فقد دفع الإيزيديون ثمناً باهظاً نتيجة التنافس بين القوى المختلفة وضعف التنسيق الأمني، حيث وجدوا أنفسهم بين مطرقة الإرهاب وسندان الصراعات السياسية.

إن حماية الأقليات لا يجب أن تكون ورقة تستخدمها القوى المختلفة لتحقيق مصالحها، بل يجب أن تكون التزاماً قانونياً وأخلاقياً ثابتاً.

إن تحقيق العدالة للإيزيديين لا يقتصر على محاكمة بعض عناصر داعش، بل يتطلب:

- كشف الحقيقة كاملة حول ما جرى.
- تحديد المسؤولين عن الجرائم ومحاسبتهم.
- دعم الناجين والناجيات نفسياً واجتماعياً.
- إعادة إعمار المناطق المتضررة.
- ضمان عودة آمنة وكريمة للمهجرين.
فالعدالة ليست انتقاماً، بل هي شرط أساسي لمنع تكرار الجرائم الجماعية.
إن ذكرى الثالث من آب يجب ألا تبقى مناسبة حزينة للإيزيديين فقط، بل يجب أن تكون تذكيراً للعالم بأن خطاب الكراهية والتطرف عندما يُترك دون مواجهة يمكن أن يتحول إلى جرائم إبادة.
لقد أثبت التاريخ أن حماية التنوع ليست قضية تخص أقلية معينة، بل هي دفاع عن قيم الإنسانية جمعاء. فحين يُستهدف شعب بسبب دينه أو هويته، فإن الخطر لا يطال ذلك الشعب وحده، بل يهدد فكرة التعايش نفسها.
تبقى شنكال شاهداً على واحدة من أكثر صفحات التاريخ المعاصر ألماً، لكنها في الوقت نفسه تحمل رسالة مقاومة وصمود. فرغم حجم المأساة، استطاع الإيزيديون الحفاظ على هويتهم وذاكرتهم، وأصبح نضالهم من أجل العدالة جزءاً من النضال العالمي ضد الإبادة والكراهية.

إن الوفاء لضحايا شنكال لا يكون فقط بإحياء الذكرى، بل بالعمل من أجل عالم لا تتكرر فيه مثل هذه الجرائم، عالم يحترم الإنسان قبل الدين والقومية والانتماء.هذه الصياغة تصلح كمقال رأي أو ورقة سياسية حقوقية. ويمكن أيضاً إعداد نسخة ثالثة بأسلوب خطاب سياسي قوي يصلح للإلقاء في مؤتمر أو لقاء تلفزيوني بمناسبة ذكرى 3 آب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس


.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس




.. شاهد على العصر - ‏صفقة السلاح السرية.. مدير المخابرات يكشف س


.. ما وراء الخبر | كيف ينهي الاحتلال آثار أوسلو ويفرض التطهير ا




.. جنيف تستضيف مؤتمرا دوليا عن الأسرى الفلسطينيين