الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ظواهر كاذبة(كبار السن بين العطاء والحنان... حين تتكلم الجراح القديمة)هدى عزالدين محمد.مصر.

هدى عزالدين محمد
شاعرة

(Huda Ezz El-din Muhammad)

2026 / 8 / 3
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ليس كلُّ من تقدَّم به العمر صار حكيمًا، كما أن الشيخوخة ليست وسامًا أخلاقيًا يمنح صاحبه حصانةً من النقد أو المساءلة. فالسنُّ يضيف إلى الوجه تجاعيده، لكنه لا يغيِّر جوهر النفس؛ بل قد يكشفه أكثر.
نميل، بحكم العاطفة، إلى ربط الشيخوخة بالوقار والرحمة والحنان، وهي صفات تتجسد فعلًا في كثير من كبار السن الذين أفنوا أعمارهم في العطاء، وأصبحوا ملاذًا لأبنائهم وأحفادهم. لكن ثمة وجهًا آخر لا ينبغي تجاهله؛ فبعض المسنين يحملون معهم إرثًا طويلًا من الصراعات النفسية، والجراح غير الملتئمة، والحرمان العاطفي، فتخرج هذه الآلام في صورة غضب دائم، أو تشويهٍ للآخرين، أو نشرٍ للشائعات، أو رغبةٍ في السيطرة والانتقام.

كل إنسان هو حصيلة عوامل متعددة؛ وراثية ونفسية واجتماعية وثقافية. والطفولة ليست مرحلةً عابرة، بل هي البذرة التي تنمو منها الشخصية. لذلك فإن علاقة الطفل بوالديه، ولا سيما بالأم، تترك آثارًا قد تمتد إلى آخر العمر، سواء كانت آثارًا من الطمأنينة أو من الألم.
وحين نجلس إلى امرأة مسنة تروي ذكريات طفولتها وشبابها، فإننا لا نستمع إلى قصة فحسب، بل إلى تاريخٍ نفسي كامل. وقد نجد في حديثها شعورًا دائمًا بالتهميش، أو لومًا للأم، أو إحساسًا بالظلم، أو استدعاءً مستمرًا للماضي. غير أن الإنصاف يقتضي ألا نجعل من روايتها حقيقةً مطلقة، فكل رواية تمثل زاوية نظر صاحبها، بينما الحقيقة الكاملة لا تتضح إلا بسماع بقية الأطراف وقراءة السياق الاجتماعي الذي نشأت فيه الأحداث.

ومن المثير للتأمل أن بعض الأشخاص يفشلون في الحفاظ على علاقات إنسانية مستقرة؛ فتتكرر الخصومات، وتتبدل الصداقات، وتكثر الاتهامات، ويصبح الآخرون دائمًا هم المذنبين. هنا يدعونا علم النفس إلى التساؤل: هل نحن أمام شخصية لم تتعافَ من جراحها القديمة؟ وهل تحولت معاناتها إلى آلية دفاعية تدفعها إلى الإسقاط على الآخرين أو تشويههم؟.
وتشير دراسات علم النفس إلى أن الحرمان العاطفي، والإهمال، والعنف الأسري، قد يتركون آثارًا طويلة المدى في الشخصية، فتظهر لاحقًا في صورة ضعف التعاطف، أو الحاجة المفرطة إلى لفت الانتباه، أو الميل إلى التحكم بالآخرين، أو الحساسية المبالغ فيها تجاه النقد. لكن هذه السمات لا تكفي وحدها لتشخيص أي اضطراب نفسي؛ فالتشخيص مسؤولية المختصين، وليس استنتاجًا يُبنى على الملاحظة العابرة.
أما علم الاجتماع فيؤكد أن الإنسان لا يتشكل داخل أسرته فقط، بل داخل شبكة واسعة من العلاقات والظروف الاقتصادية والثقافية. فالعزلة، وفقدان المكانة الاجتماعية، والشعور بعدم القيمة، وضعف الدعم الأسري، كلها عوامل قد تدفع بعض كبار السن إلى تبني سلوكيات سلبية، بينما تساعد البيئة الصحية والداعمة آخرين على أن يكونوا أكثر تسامحًا واتزانًا.

ومع ذلك، فإن فهم الأسباب لا يعني تبرير النتائج. فالشفقة على الإنسان لا تعني إعفاءه من مسؤوليته، والتعاطف لا يعني الصمت عن الظلم. فإذا تحول الألم إلى أداة لإيذاء الآخرين، أو أصبح الكذب والتشهير والاعتداء على السمعة سلوكًا متكررًا، فإن العمر لا يسقط المسؤولية الأخلاقية أو القانونية.إن المجتمع الراشد لا يحاكم الناس بأعمارهم، بل بأفعالهم. وكما نكرم كبار السن لعطائهم، فمن حق المجتمع أيضًا أن يحمي أفراده من أي إساءة، أيًّا كان مصدرها.
فالشيخوخة ليست شهادةً بحسن الخلق، كما أن الشباب ليس دليلًا على سوء السلوك. إن الأخلاق تُبنى عبر العمر، ولا تُمنح مع العمر. ويبقى الإنسان، في النهاية، مسؤولًا عن الكلمة التي يقولها، وعن الأثر الذي يتركه في قلوب الآخرين، حتى آخر يوم من حياته..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصادر للجزيرة: تشكيل لجنة تحقيق عراقية إيرانية مشتركة


.. الاجتماع الإيراني الخليجي في عُمان.. خطوة نحو التهدئة بمضيق




.. مسؤول عراقي للجزيرة: تواصل أمني مستمر لإطلاع السعودية على ال


.. أكثر من 20 غارة جوية تستهدف مواقع للحوثيين في البيضاء ومأرب




.. الأسبوع وما بعد | من إيران إلى أميركا.. تداعيات تهديد الحوثي