الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – للشاعر الدكتور محمد سليط
طه دخل الله عبد الرحمن
2026 / 8 / 3الادب والفن
قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – للشاعر الدكتور محمد سليط 1-8-2026
جغرافيا الروح المسكونة – تأويل الخراب وجماليات الصعود من الجرح
حينَ يتحوّلُ الشعرُ إلى شاهدِ قبرٍ لمكانٍ كان، وإلى نبوءةٍ لمكانٍ قد يعود، يولدُ نصٌّ كـ"رباعيات محمد سليط من وجعِ الخرطوم". إنّها ليست قصيدةً عن الخرطوم، بل هي الخرطومُ ذاتُها وهي تحاولُ أن تنطقَ شعراً بعد أن أخرسَتها الحرب، أن تتذكّرَ وجهَها في مرآةِ النيلِ المُكَدَّر. في هذه الرباعيات العشر، يبني الدكتور محمد سليط كاتدرائيةً من الكلماتِ على ضفافِ الدمار، متّخذاً من "الوجع" وقوداً لاستعاراتٍ تنهضُ من رمادِ الفقدِ لتؤثّثَ فضاءً شعرياً تتوحّدُ فيه الذاكرةُ بالجغرافيا، والجسدُ الشاعرُ بجسدِ المدينةِ الجريح. وما الإهداءُ إلى "أبي القاسم" الابنِ الحبيبِ إلّا مفاتحةٌ سيريَّةٌ تمنحُ النصَّ شفرةَ الولوجِ إلى حميميّتِه؛ فالخرطومُ هنا ليست مجرّدَ مدينةٍ غائبة، بل هي الإرثُ المهدَّدُ بالانقطاع، الجسرُ المقطوعُ بين الأبِ والابن، بين ماضٍ كان يفترضُ أن يظلَّ، ومستقبلٍ صارَ نهباً للرصاص.
في الرباعيةِ الأولى، لا يصوّرُ الشاعرُ ملتقى النيلين بصفتِه مشهداً طبيعياً، بل يؤسّسُ له بصفته "جغرافيا روحيةً"، كيمياءً من الدمعِ والنورِ والذاكرة. الاستفهامُ الافتتاحيُّ "يَا مُلْتَقَى النِّيلَيْنِ كَيْفَ السَّبِيلُ؟" ليس سؤالاً عن مسارِ المياه، بل هو استفهامُ التيهانِ في ليلِ الروح، سؤالُ من ضلَّ الطريقَ إلى ذاتِه بعد أن ضاعَ معنى المكان. حين يجيبُ الشاعرُ سؤالَه بسؤالٍ أشدَّ قسوةً: "أَمِنَ الدُّمُوعِ جَرَى نَدَاكَ يَسِيلُ؟"، فإنّه يحوّلُ النيلَ من شريانِ حياةٍ إلى مجرى دمعٍ كونيّ، فتنقلبُ وظيفةُ الماءِ من العطاءِ إلى الشهادةِ على الفقد. لكنّ العبقريةَ التصويريةَ تتجلّى في تشخيصِ النيلين: "الْأَبْيَضِ الْهَادِي" وَ "الْأَزْرَقِ الشَّاكِي". نحنُ هنا أمامَ ثنائيةٍ رمزيةٍ تحاكي ثنائيةَ الجسدِ والروح، فالأبيضُ الهادي هو السكينةُ المستسلمةُ لمصيرِها، والأزرقُ الشاكي هو الوعيُ المثخنُ بالجراح، يميلُ إلى أخيه في عناقٍ هو أشبهُ بمواساةِ المحتضرين. وفي هذا السياق، تبرزُ مفارقةٌ لاذعة: "لَمَّا الْتَقَيَا فِي الْمَقْرَنِ الْعَذْبِ ارْتَوَى شَجَرُ النَّخِيلِ وَظِلُّهُ الظَّلِيلُ". إنّه استحضارٌ لزمنِ الخصبِ الأزليّ، زمنٌ معلّقٌ في ذاكرةِ الماء، قبل أن تتحوّلَ الرباعيةُ إلى سكينٍ شعريٍّ في صدرِ الحاضر: "يَا مَوْطِنَ الْخَيْرَاتِ كَيْفَ تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الرُّبَا وَانْصَاعَ فِيكَ عَقِيلُ؟". "عقيل" هنا ليس اسماً عابراً؛ إنّه يختزنُ في جذورِه العربيةِ معاني العقلِ والثباتِ والحكمة، فإذا "انصاع" وغابَ، فقد غابَ العقلُ الجمعيّ، وحضرَ الجنونُ الذي تَطْحَنُ رحاه العبادَ والبلاد.
من هذه اللوحةِ الافتتاحيةِ المتخمةِ بالدمعِ والذاكرة، ينتقلُ سليط إلى تفصيلِ مأساةِ السقوطِ عبر استعارةِ "سلّة القوت". إنّها استعارةٌ تأسيسيةٌ في الخطابِ الشعريِّ للسودان، لأنّها تختصرُ علاقةَ الإنسانِ بالأرض، وعلاقةَ الوطنِ بالعالم. "سَلْ سَلَّةَ الْقُوتِ الَّتِي جَادَتْ بِمَا يُغْنِي الْجِيَاعَ وَيَكْتَسِيهِ عَمِيرُ". الفعل "سلْ" هو أمرٌ باستنطاقِ الشيء، كأنّ السلّةَ صارت شاهداً صامتاً يجبُ أن يُستجوب. وهنا نكتشفُ أنّ الشاعرَ لا يستعيدُ الماضي بحنينٍ عاطفيٍّ مجانيّ، بل يستدعيه ليكونَ مقياساً لحجمِ الكارثة. الصورةُ الملحميةُ "بِهِ السَّنَابِلُ كَالْجِبَالِ تَثُورُ" تتجاوزُ التشبيهَ العاديّ إلى إضفاءِ طاقةٍ بركانيةٍ على العطاء؛ السنابلُ لا تنمو بل "تثور"، في إحالةٍ خفيّةٍ إلى تمرّدِ الخصب، إلى فيضٍ يكادُ يخرجُ عن السيطرة. لكنّ هذا الفيضَ يُجهَضُ في صدرِ الرباعيةِ بجملةٍ تسقطُ كالمقصلة: "وَالْيَوْمَ جَاعَ الْأَهْلُ فِي سَاحَاتِهَا". إنّها جملةٌ تعتمدُ على التنافرِ المعرفيّ؛ فالجوعَ يحدثُ في "ساحاتِ" السلّة، في رحمِ الخصبِ ذاتِه. المفارقةُ التي يبنيها سليط هنا هي مفارقةُ العدمِ في قلبِ الوجود، حيث يصيرُ المكانُ الذي كان يُطعِمُ العالمَ عاجزاً عن إطعامِ أبنائِه، وتصيرُ "الحربُ" فاعلاً شيطانياً يحوّلُ الديارَ إلى دوّاماتٍ تطيشُ بالساكنين.
ثمّ يبلغُ النصُّ واحدةً من أشدِّ لحظاتِه حين ينفجرُ السؤالُ الوجوديُّ في الرباعيةِ الثالثة: "أَيْنَ الْمَوَاسِمُ وَالْحَصَادُ وَأَيْنَ مَنْ زَرَعُوا الْبِلَادَ بِهِمَّةٍ وَعَزِيمِ؟". إنّ تكرارَ "أين" ليس استفهاماً عن مكان، بل هو حفرٌ أنطولوجيٌّ في ذاكرةِ المكانِ لاستخراجِ جثّةِ الزمنِ الجميل. "زَرَعُوا الْبِلَادَ"، هنا تتجاوزُ الزراعةُ كونَها فعلاً اقتصادياً لتصيرَ فعلاً وجودياً: زرعوا البلادَ كما يُزرعُ الأمل، كما تُزرعُ الذاكرة، كما يُزرعُ الإنسانُ في تربتِه. وفي هذا السياق، تأتي "غربةُ الأحرارِ في أوطانِهم" كتعبيرٍ نهائيٍّ عن الاغترابِ الوجودي؛ فليسَ المنفى خارجَ الحدود، بل هو في الداخل، حيث يصيرُ "الحرُّ" غريباً لأنّ الوطنَ لم يعد يتّسعُ لحريّتِه، بل ضاقَ بها إلى حدِّ الطردِ الرمزي. وهنا، يطلقُ الشاعرُ رصاصتَه الرحيمةَ الوحيدة: "حِينَ الْتَظَتْ بِنَوَازِلِ التَّقْسِيمِ". إنّ "نوازل التقسيم" هي العبارةُ المفتاحُ لفهمِ الكارثة؛ فالتقسيمُ ليس تقسيمَ أرضٍ فحسب، بل هو تقسيمُ ذاكرة، تقسيمُ هوية، تقسيمُ الإنسانِ الواحدِ إلى شظايا تتقاتل. وما "الربوعُ للأسى بعد الندى" إلّا شاهدُ قبرٍ للتحوّلِ الكارثيِّ من العطاءِ إلى الحداد.
يمتدُّ الجرحُ في الرباعياتِ اللاحقةِ أفقياً ليشملَ أفريقيا كلَّها، فيرتفعُ بالخرطومِ من جرحٍ محليّ إلى رمزٍ للجرحِ القارّي: "كَانَتْ لِأَفْرِيقْيَا مَنَارَ حَضَارَةٍ وَشُعَاعُهَا فِي الْخَافِقَيْنِ شُرُوقُ". إنّ اختيارَ "منارة" و"شعاع" ليسَ اعتباطياً، فهما يحيلانِ إلى وظيفةِ الخرطوم التاريخيةِ كمركزٍ للإشعاعِ الحضاريّ، وكملاذٍ للهاربينَ من جوعِ القارةِ وظلمِها. لكنّ هذه المنارةَ انطفأت، ولم يبقَ منها إلّا "حسرةُ كاتبٍ يبكي ودمعُ العاشقينَ حريق". هنا، تكمنُ واحدةٌ من أشدِّ استعاراتِ سليط فرادةً ورعباً: "دمعُ العاشقينَ حريق". الدمعُ، وهو سائلُ الإطفاءِ والتبريد، يتحوّلُ إلى حريق، إلى نارٍ تأكلُ الوجوهَ والذكريات. إنّه دمعٌ لا يُريحُ بالانهمار، بل يُعذّبُ ببقائِه ملتهباً في العيون، دمعٌ يحرقُ ولا يغسل. ويتعزّزُ هذا الإحساسُ بالانقطاعِ الكلّيِّ في قولِه: "وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُ كُلِّ مَوَدَّةٍ وَجَفَا الصَّدِيقُ وَخَانَهُ الْمَوْثُوقُ". إنّه انهيارُ النسيجِ الاجتماعيِّ برمّتِه، حيث يصبحُ الصديقُ جافياً، والموثوقُ خائناً، في حربٍ لا تُبقي على شيءٍ من وشائجِ القربى والإخاء.
في الرباعيتين الأخيرتين، ينتقلُ النصُّ من شعريةِ الفقدِ إلى شعريةِ الأملِ العنيد، لكنّه أملٌ لا يمحو الوجعَ بل ينمو من شقوقِه. في التاسعة، يتحوّلُ الشاعرُ إلى شبحٍ يمشي بين الأزمنة: "أَمْشِي بَبَيْنِ الْأَمْسِ يَقْتُلُنِي الصَّدَى". "بين الأمس" ليست ظرفَ زمان، بل هي فضاءٌ عدميّ، منطقةٌ عالقةٌ بين ما كان وما لم يعد، حيث "الصدى" هو الصوتُ الوحيدُ المتبقّي، صوتُ الذاكرةِ الذي يصبحُ قاتلاً لأنّه يذكّرُ بما فُقِد. ثمّ تأتي الضربةُ الموجعة: "وَالْخَيْلُ فِي حَرْبِ الْإِخَاءِ جَرَتْ". هنا، يبلغُ التناقضُ ذروتَه القصوى؛ فـ"حربُ الإخاء" تركيبٌ مستحيل، عبثٌ محض، حيث الخيلُ التي كانت تركضُ نحو العدوِّ صارت تركضُ نحو الأخ. إنّها الجملةُ التي تختزلُ كاملَ العبثِ السودانيِّ المأساويّ.
غيرَ أنّ الشاعرَ، وفي لحظةِ وعيٍ جماليٍّ استثنائيّ، يرفضُ أن يُغلقَ النصَّ على هذه الصورةِ الجحيْمية. في الرباعيةِ الختامية، يتحوّلُ الخطابُ من الندبةِ إلى الدعاءِ والتوسّلِ بالنيل: "يَا دَهْرُ قِفْ وَانْظُرْ بِمَقْرَنِ نِيلِنَا كَيْفَ الْتِقَاءُ الدَّمْعِ بِالْآلامِ". إنّه أمرٌ للدهرِ بالتوقّف، استجداءٌ للزمنِ كي يشهدَ على حجمِ الكارثة. ثمّ ينبثقُ الأملُ ليس كتهويمةٍ مجانية، بل كضرورةٍ وجودية: "سَيَعُودُ هَذَا النِّيلُ يَغْسِلُ حُزْنَنَا وَتَعُودُ خُرْطُومُ الْعُلَى لِأَمَامِ". النيلُ هنا ليس مجرى ماءٍ للتطهير، بل هو فاعلٌ ميثولوجيّ، قوّةٌ روحيّةٌ تملكُ قدرةَ الغسلِ والولادةِ من جديد. وتحوّلُ "خرطوم الوجع" إلى "خرطوم العلى" هو فعلُ إيمانٍ شعريٍّ بأنّ المدينةَ قادرةٌ على النهوضِ من تحتِ رمادِها، لا لأنّ الظروفَ مواتية، بل لأنّ الروحَ التي تسكنُها، روحَ الشاعرِ تحديداً، تأبى الانكسار: "لَا تَنْحَنِي لِعَوَاصِفِ الْأَيَّامِ". وفي الختام، يتحوّلُ الشاعرُ إلى أسيرٍ مختار، أسيرِ حبٍّ لا أسيرِ هزيمة: "سَتَظَلُّ رُوحِي فِي رُبَاكِ أَسِيرَةً تَبْنِي مِنَ الْأَمَلِ الْجَمِيلِ مَقَامِي". هنا، لا يبني الشاعرُ مقاماً من حجر، بل من "الأملِ الجميل"، في إعلانٍ نهائيٍّ أنّ الشعرَ، في جوهرِه، هو بناءُ الأملِ من مادةِ الألم.
إنّ ما حقّقه محمد سليط في هذه الرباعيات يتجاوزُ حدودَ القصيدةِ السياسيةِ أو قصيدةِ الرثاء. لقد نجحَ في خلقِ "سيمياء الماء والدم"؛ حيث النيلُ ليس نهراً بل نصّاً مائعاً يُقرأ فيه تاريخُ المدينة، وحيث الدمُ ليس سائلاً حيوياً بل حبراً يكتبُ بالوجع. لقد حوّلَ الخرطومَ إلى "كهفِ الناي الحزين"، ذاك الكهف الأفلاطوني الذي لا يصلُنا منه إلّا صدى الأغاني القديمة، ألحانُ مواسمَ كانت، وأصداءُ سنابلَ ثارت كالجبال، وظلُّ نخيلٍ ظليلٍ لم يعد يُظلّلُ أحداً. في هذا الكهف، يجلسُ الشاعرُ عازفاً نايه المصنوعَ من عظامِ الذاكرة، فيخرجُ منه لحنٌ حزينٌ لا يموت، لأنّه صارَ جزءاً من تكوينِ المدينةِ وهي تحاولُ أن تتذكّر، كي تغفرَ لنفسِها سقوطَها، وكي تنهضَ من جديد.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
1/08/2026
***********************
رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم
مهداة هذه القصيدة لأبني الغالي أبو القاسم
(الرباعية الأولى)
يَا مُلْتَقَى النِّيلَيْنِ كَيْفَ السَّبِيلُ؟
أَمِنَ الدُّمُوعِ جَرَى نَدَاكَ يَسِيلُ؟
هَذَا عِنَاقُ الْأَبْيَضِ الْهَادِي بَدَا
وَالْأَزْرَقُ الشَّاكِي إِلَيْهِ يَمِيلُ
لَمَّا الْتَقَيَا فِي الْمَقْرَنِ الْعَذْبِ ارْتَوَى
شَجَرُ النَّخِيلِ وَظِلُّهُ الظَّلِيلُ
يَا مَوْطِنَ الْخَيْرَاتِ كَيْفَ تَغَيَّرَتْ
تِلْكَ الرُّبَا وَانْصَاعَ فِيكَ عَقِيلُ؟
(الرباعية الثانية)
سَلْ سَلَّةَ الْقُوتِ الَّتِي جَادَتْ بِمَا
يُغْنِي الْجِيَاعَ وَيَكْتَسِيهِ عَمِيرُ
كَمْ كَانَ حَقْلُكَ مَفْخَراً لِأَنَامِنَا
وَبِهِ السَّنَابِلُ كَالْجِبَالِ تَثُورُ
تَجْرِي بِهِ نَعْمَاءُ رَبِّكَ بَلْدَةً
طَابَ الْجَنَى فِيهَا وَطَابَ مَصِيرُ
وَالْيَوْمَ جَاعَ الْأَهْلُ فِي سَاحَاتِهَا
وَالْحَرْبُ تَعْصِفُ وَالدِّيَارُ تَدُورُ
(الرباعية الثالثة)
أَيْنَ الْمَوَاسِمُ وَالْحَصَادُ وَأَيْنَ مَنْ
زَرَعُوا الْبِلَادَ بِهِمَّةٍ وَعَزِيمِ؟
كَانَتْ غِذَاءَ الْعُرْبِ يَفْخَرُ جِيلُهُمْ
بِعَطَاءِ أَرْضٍ كَالْجِنَانِ كَرِيمِ
يَا غُرْبَةَ الْأَحْرَارِ فِي أَوْطَانِهِمْ
حِينَ الْتَظَتْ بِنَوَازِلِ التَّقْسِيمِ
صَارَتْ رُبوعاً لِلْأَسَى بَعْدَ النَّدَى
وَتَجَرَّعَتْ غُصَصاً بِغَيْرِ رَحِيمِ
(الرباعية الرابعة)
كَانَتْ مَنَاراً لِلْمَجَامِعِ وَالْهُدَى
وَالْيَوْمَ أَرْهَقَهَا الطَّغَامُ اللُّدُّ
حَيْثُ الْجَزِيرَةُ قَدْ كَسَاهَا جَدْبُهَا
وَبَكَتْ عَلَى أَشْجَارِهِ الْوُرُودُ
خَيْرَاتُ أَرْضِ الْقُطْنِ كَيْفَ تَبَعْثَرَتْ؟
وَاسْتَوْحَشَتْ بَعْدَ الْأَمَانِ عُهُودُ
أَيْنَ الَّذِينَ رَعَوْا ثِمَارَ عُقُولِهِمْ
وَأَقَامَ فِيهِمْ لِلْإِبَاءِ خُلُودُ؟
(الرباعية الخامسة)
كَمْ جَرَّعَتْنَا هَذِهِ الْأَيَّامُ مِنْ
حُزْنٍ يَفُوقُ تَصَبُّرِي وَيَبُوحُ
فَالنِّيلُ يَجْرِي بِالدِّمَاءِ مُكَدَّراً
وَعَلَى الضِّفَافِ نَوَائِحٌ وَجُرُوحُ
قَدْ كَانَتِ الْخُرْطُومُ مَهْدَ سَكِينَةٍ
وَالْيَوْمَ فِيهَا لِلْمَنُونِ قُرُوحُ
يَا دَهْرُ رِفْقاً بِالْكِرَامِ فَإِنَّهُمْ
صَبَرُوا وَلَكِنَّ الْفُؤَادَ ذَبِيحُ
(الرباعية السادسة)
يَا أَيُّهَا الْوَطَنُ الْمُسَافِرُ فِي دَمِي
كَمْ عِشْتَ تُعْطِي بَلْدَةً وَرِحَابَا
كَمْ قُلْتَ لِلْجَارِ الْغَرِيبِ أَلَا هَلُمَّ
نَحْوَ الْغِذَاءِ فَقَدْ فَتَحْتُ الْبَابَا
وَالْيَوْمَ أَبْنَاؤُكَ قَدْ فَرُّوا فَلَا
تَجِدُ الْأَمَانَ وَتَسْكُنُ الْأَخْرَابَا
بَكَتِ الْمَزَارِعُ وَالْمَرَاعِي بَعْدَمَا
كَانَتْ تَفِيضُ سَنَابِلاً وَشَرَابَا
(الرباعية السابعة)
يَا نِيلُ ذَكِّرْ كُلَّ مَنْ نَسِيَ الْعُلَى
أَنَّ الْعَظِيمَ يَعُودُ بَعْدَ صُرُوعِ
هَذِي الرُّبُوعُ الْخُضْرُ كَانَتْ جَنَّةً
تُغْذِي جَمِيعَ الْخَلْقِ غَيْرَ قَنُوعِ
مَلْأَى بِأَثْمَارِ الْحَيَاةِ وَأَهْلُهَا
يَقْرُونَ لِلضِّيفَانِ كُلَّ جُوعِ
فَأَصَابَهَا عَيْنُ الْحَسُودِ فَأَصْبَحَتْ
تَجْرِي الدِّمَاءُ بِهَا مَكَانَ دُمُوعِ
(الرباعية الثامنة)
كَانَتْ لِأَفْرِيقْيَا مَنَارَ حَضَارَةٍ
وَشُعَاعُهَا فِي الْخَافِقَيْنِ شُرُوقُ
كَمْ فَرَّجَتْ كُرَبَ الْجِيَاعِ بِأَرْضِهَا
وَسَحَابُهَا بِالْمُعْصِرَاتِ دَفُوقُ
لَمْ يَبْقَ فِيهَا غَيْرُ حَسْرَةِ كَاتِبٍ
يَبْكِي وَدَمْعُ الْعَاشِقِينَ حَرِيقُ
وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُ كُلِّ مَوَدَّةٍ
وَجَفَا الصَّدِيقُ وَخَانَهُ الْمَوْثُوقُ
(الرباعية التاسعة)
أَمْشِي بَبَيْنِ الْأَمْسِ يَقْتُلُنِي الصَّدَى
وِأَرَى الدِّيَارَ حَزِينَةً صَمَتَتْ
أَيْنَ الْمَحَاصِيلُ الَّتِي فَرِحَتْ بِهَا
جَارَاتُنَا لَمَّا زَهَتْ وَرَبَتْ؟
يَا لَلْأَسَى! كَانَتْ غِيَاثاً لِلْوَرَى
وَالْيَوْمَ مِنْ جُوعٍ دِمَاءً بَكَتْ
مَرَّتْ عَلَيْهَا النَّائِبَاتُ بِثِقْلِهَا
وَالْخَيْلُ فِي حَرْبِ الْإِخَاءِ جَرَتْ
(الرباعية العاشرة)
يَا دَهْرُ قِفْ وَانْظُرْ بِمَقْرَنِ
نِيلِنَا كَيْفَ الْتِقَاءُ الدَّمْعِ بِالْآلامِ
سَيَعُودُ هَذَا النِّيلُ يَغْسِلُ حُزْنَنَا
وَتَعُودُ خُرْطُومُ الْعُلَى لِأَمَامِ
يَا سَلَّةَ الْخَيْرَاتِ قَوْمِي وَانْهَضِي
لَا تَنْحَنِي لِعَوَاصِفِ الْأَيَّامِ
سَتَظَلُّ رُوحِي فِي رُبَاكِ أَسِيرَةً
تَبْنِي مِنَ الْأَمَلِ الْجَمِيلِ مَقَامِي
بقلم الشاعر والناقد الاردني
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. شبكات - نازا.. فيلم يهز إسرائيل
.. من قصيدة إلى لقاء مع جلالة الملك.. قصة لقاء الشاعر منصور جاب
.. فيلم نازا يفتح مواجهة داخل إسرائيل.. سحب للجنسية وتحقيق في ش
.. تكريم الفنان شريف منير بمهرجان ظفار الدولي للمسرح
.. ما وراء الخبر| فيلم نازا يشعل مواجهة سياسية وأمنية داخل إسرا