الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 8 / 3
قضايا ثقافية
منذ سنواتٍ قليلة، لم تعد تطبيقاتُ التعارف مجرد مساحةٍ للتواصل بين الناس، بل تحوَّل بعضها إلى بيئاتٍ تُنتج انماطاً جديدةً من العلاقات، تختلط فيها المشاعرُ بالمصالح، والاهتمامُ بالعائدِ المادي، حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين القربِ الحقيقي، والقربِ الذي تُحرِّكه المنفعة.
وفي الأردن، كما في كثيرٍ من المجتمعات، انتشر استخدامُ تطبيقات التعارف الصوتية والمرئية، وبعضها يقوم على نظامٍ يمنح مستخدمين هدايا رقمية أو أرباحاً مالية مقابل جذب المتابعين، أو قضاء الوقت في المحادثات المباشرة، أو تقديم محتوى يعتمد على التفاعل والغزل والإيحاء. وليس المقصود أن جميع المستخدمين يمارسون ذلك، ولا أن جميع هذه التطبيقات تعمل بالطريقة نفسها، لكن هذه الممارسات أصبحت جزءًا من واقعٍ رقمي لا يمكن تجاهله.
وهنا يطرح ميزان القرب سؤالًا مختلفاً:
هل نحن أمام علاقاتٍ إنسانية، أم أمام سوقٍ جديدٍ للمشاعر؟
فحين يصبح الاهتمامُ قابلاً للبيع، والإعجابُ مرتبطاً بقيمة الهدية، والوقتُ يُقاس بما يدرُّه من مال، فإن العلاقة لم تعد تتحرك بمنطق القرب، بل بمنطق السوق.
إنَّ أخطر ما في هذه التطبيقات ليس وجودها، فالتقنية ليست خيراً ولا شرّاً في ذاتها، وإنما الطريقةُ التي تُستخدم بها.
فقد يدخل شابٌ إليها لأنه يشعر بالوحدة، أو لأنه فقد مساحةً يجد فيها من يستمع إليه.
وقد تدخل فتاةٌ إليها لأنها ترى فيها مصدراً للدخل، أو فرصةً لتحقيق شهرة، أو وسيلةً لتجاوز ظروفٍ اقتصادية صعبة.
وهنا لا يصبح الطرفان خصمين، بل يصبحان جزءًا من منظومةٍ واحدة، تُعيد تعريف العلاقة على أساس المنفعة لا على أساس الإنسان.
وفي ميزان القرب، تبدأ العلاقةُ بالتشقق منذ لحظة ولادتها إذا كان السؤالُ الأول فيها:
ماذا سأحصل منك؟
بدلاً من:
من أنت؟
إنَّ العلاقات التي تُبنى على المقابل المادي قد تبدو ناجحةً في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها هشاشةً كبيرة، لأنها لا تعتمد على الثقة، ولا على المسؤولية، ولا على معرفةٍ حقيقية بالطرف الآخر.
ولهذا يقول ميزان القرب:
حين يصبح الاهتمامُ سلعةً، يفقد القربُ معناه.
ولعلَّ المشكلةَ الأكبر أن هذه التطبيقات لا تبيع المال فقط، بل قد تبيع الوهم أيضاً.
فقد يظنُّ أحد الطرفين أنَّ هناك علاقةً تتكوَّن، بينما يرى الطرفُ الآخر أنَّ ما يحدث ليس أكثر من وسيلةٍ لتحقيق دخلٍ أو زيادةٍ في عدد المتابعين.
وهنا يتولد نوعٌ جديدٌ من العلاقات؛ علاقةٌ يعيش فيها كلُّ طرفٍ حقيقةً مختلفة عن الآخر.
أحدهما يبحث عن الاحتواء..
والآخر يدير نشاطًا رقمياً.
أحدهما ينتظر مستقبلاً..
والآخر ينتظر تحويلاً مالياً.
ويقول ميزان القرب:
العلاقة التي يختلف فيها تعريف القرب بين طرفيها، تبدأ بالتشقق قبل أن تبدأ بالحياة.
لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بشجاعة ليس:
لماذا انتشرت هذه التطبيقات؟
بل:
لماذا أصبح كثيرٌ من الناس يبحثون عن الاهتمام داخلها؟
إنَّ الوحدة، والفراغ العاطفي، وتأخر الزواج، والضغوط الاقتصادية، وضعف الحوار داخل الأسرة، كلها عوامل قد تدفع بعض الشباب والفتيات إلى البحث عن شعورٍ بالاهتمام خارج دوائرهم الطبيعية.
وهنا لا يكون العلاج بإدانة الأشخاص، بل بفهم الأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المرحلة.
إنَّ المجتمع الذي لا يمنح أبناءه مساحةً للحوار، قد يجدهم يبحثون عن الحوار في أماكن خاطئة.
والمجتمع الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه لا يُرى، قد يدفعه إلى البحث عمَّن ينظر إليه، ولو كان ذلك بثمن.
ولهذا، فإنَّ ميزان القرب لا يرى أن المشكلة في التطبيقات وحدها، بل في الفراغ الذي سمح لها بأن تصبح بديلاً عن العلاقات الحقيقية.
ويضع ميزان القرب قاعدةً تقول:
كلُّ علاقةٍ يتحول فيها الإنسان إلى وسيلةٍ لتحقيق مكسب، تكون قد فقدت جزءًا من إنسانيتها، حتى لو بدت ناجحةً في ظاهرها.
وفي النهاية!
ليست القضيةُ أن نحارب التقنية. وليست القضيةُ أن نمنع الناس من التعارف.
إنما القضيةُ أن نحافظ على قيمة الإنسان، فلا يصبح الاهتمامُ سلعةً، ولا تتحول المشاعر إلى وسيلةٍ للكسب، ولا يصبح القربُ الحقيقي أقلَّ قيمةً من قربٍ يمكن شراؤه بهديةٍ رقمية.
فحين تُباع المشاعر..
لا يخسر المشتري وحده.
ولا يربح البائع وحده.
بل يخسر المجتمعُ جزءًا من إنسانيته.
يزن سعاده
مؤسس مدرسة ميزان القرب
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صومالي لاند تبدي استعدادها للمساهمة بـ2000 جندي في قوة الاست
.. 25 عاما على 11 سبتمبر.. كيف ساهمت حروب أميركا في تمدد إيران
.. نافذة من أمريكا | هل ما زالت تداعيات أحداث 11 سبتمبر تحكم وا
.. ما وراء الخبر - كيف استغلت إسرائيل والأنظمة مفهوم الإرهاب لـ
.. سياق الحدث | ما الذي تريده إيران من اجتماع عمان بشأن هرمز؟