الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


و أنتهت زيارة عاشوراء

صادق جبار حسين

2026 / 8 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


انتهت الزيارة، وعادت الجموع إلى مدنها، وانفضّت المواكب، وخفتت مكبرات الصوت، وعاد كل طرف وهو يشعر بأنه حقق ما يريد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل موسم: ماذا بقي للعراق بعد انتهاء هذه الأيام؟

الشباب وجدوا في المناسبة فرصة للاجتماع والطبخ والسهر واللقاءات التي افتقدوها في ظل واقع اجتماعي واقتصادي خانق. والعائلات وجدت متنفسًا لكسر رتابة الحياة اليومية وروتينها .
وأصحاب المواكب شعروا بالرضا بعد ما تلقوه من الثناء والدعاء والتقدير، فيما استفاد بعض العاملين في المجال الديني والإعلامي من موسم يدر عليهم دخلاً كبيرًا.

أما الفقراء، فقد وجد كثير منهم في موائد الطعام فرصة للحصول على وجبة قد لا يستطيعون توفيرها في ظروفهم الطبيعية، وهو مشهد يحمل في داخله مفارقة مؤلمة؛ إذ أصبح توفير اللحم للمحتاجين مرتبطًا بالمواسم، لا بسياسات اقتصادية واجتماعية تكفل لهم حياة كريمة طوال العام.

في المقابل، تنتهي المناسبة بينما تبقى الأزمات كما هي، بل ربما أكثر تعقيدًا. الكهرباء ما زالت تنقطع، وشبكات المياه متهالكة، والبطالة تتسع، والخدمات الصحية والتعليمية تعاني من الإهمال، والفساد يلتهم موارد الدولة، والشباب يواصلون البحث عن فرصة عمل أو طريق للهجرة.

المشكلة ليست في إقامة الشعائر أو احترام المعتقدات، وإنما في تحويلها إلى أولوية تتقدم على حقوق المواطنين الأساسية وفوقها ، حتى أصبح الحديث عن الخدمات والاقتصاد والتنمية يبدو وكأنه قضية ثانوية أمام الزخم الإعلامي والسياسي الذي يرافق الزيارة وكيفية نجاحها .

وتدرك القوى السياسية أن المواطن المنشغل بالمواسم والطقوس يقلّ انشغاله بمحاسبة المسؤولين أو المطالبة بالإصلاح. ولذلك تمر سنوات طويلة من دون حلول حقيقية لمشكلات الكهرباء والمياه والسكن والبطالة، بينما تُحشد الإمكانات الرسمية والإعلامية لإنجاح المناسبات، في مشهد يعكس اختلالًا واضحًا في ترتيب الأولويات.

ليس من الطبيعي أن يمتلك بلد غني بالنفط كل هذه الثروات، بينما يبقى ملايين المواطنين تحت خط الفقر أو على حافة الحاجة. وليس من المنطقي أن تتكرر الوعود الحكومية بعد كل موسم، ثم تعود الأزمات نفسها لتفرض حضورها بمجرد انتهاء الزيارة.

العراق اليوم بحاجة إلى ثقافة تجعل كرامة الإنسان والخدمة العامة ومكافحة الفساد أولوية دائمة، لا أن تبقى حقوق المواطن مؤجلة إلى أجل غير معلوم. فالأمم لا تُبنى بالمواسم وحدها، بل تُبنى بالمؤسسات، والتعليم، والاقتصاد المنتج، والعدالة، وسيادة القانون.

بعد انتهاء الزيارة والحرص على نجاحها ، يبقى السؤال الحقيقي الذي ينتظر إجابة: متى يصبح اهتمام الدولة والمجتمع بحياة المواطن اليومية مساويًا للاهتمام الذي يُبذل في إنجاح زيارة دينية ؟
وعندما يتحقق ذلك، سيكون العراقي قد كسب ما هو أهم من الاحتفال المؤقت؛ كسب وطنًا يوفر له حياةً كريمةً طوال العام، لا في أيام معدودة فقط.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف


.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي




.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا


.. نافذة تحليلية | دمشق وأنقرة تدينان العدوان الإسرائيلي وتطالب




.. خارج الصندوق | إيران هربت من مواجهة إسرائيل بالاعتداء على ال