الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عندما يتحوّل الرأي الأعلامي إلى غطاء للجريمة
كرار عيسى عبد الحسين
2026 / 8 / 4حقوق الانسان
منذ أن أعلنت قيادة شرطة الديوانية عن توقيف ضابط وثلاثة منتسبين على خلفية اتهامهم بالاعتداء الجنسي على محتجزة تبلغ من العمر ٢٦ عاماً، بعد أن تبيّن أن إطفاء كاميرات المراقبة لم يكن عارضاً بل تعمّداً للتغطية على الجريمة، خرج علينا الإعلامي حيدر الحمداني بادعاء يقلب المعادلة: أن ما جرى كان برضا الفتاة، وأنها هي من "أغوت" الضابط والمنتسبين لا العكس.
هذا الادعاء، على خطورته، يستحق أن يُفكَّك بالمنطق قبل أن يُرفض بالعاطفة وحدها.
أول سؤال يفرض نفسه: ما الدليل؟ حين يطلق صحفي أو صانع محتوى حكماً يقلب تهمة اعتداء جنسي جماعي إلى علاقة رضا، فإنه يتحمّل عبء إثبات غير عادي. فهل استند الحمداني إلى تحقيق مستقل؟ إلى شهادة موثقة أدلت بها الفتاة أمام جهة محايدة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه قراءة شخصية لواقعة لا يملك عنها من المعطيات ما تملكه لجنة التحقيق الرسمية ولجنة حقوق الإنسان في الديوانية نفساهما؟
وحتى لو صرّحت الفتاة بما يشبه هذا الكلام، فالسؤال الأهم لا يتعلق بوجود التصريح، بل بشروط إنتاجه. فالمحتجزة، بحكم موقعها، لا تتكلم من موقع الندّية، بل من موقع من تعرف أن مصيرها، وربما سلامتها الجسدية وحريتها، بيد من تتحدث عنهم. هذا ليس افتراضاً أخلاقياً عائماً بقدر ما هو مبدأ تقرّه أغلب التشريعات الحديثة: أي علاقة جنسية بين موظف مكلّف بحراسة شخص محتجز وبين ذلك المحتجز تُعامَل بوصفها انتهاكاً بحكم موقع السلطة، بصرف النظر عمّا يُقال إنه "رضا" — لأن الرضا الحقيقي يفترض طرفين حرّين في القرار، لا طرفاً يملك كل أدوات الإكراه (الزنزانة، التقرير، قرار الإفراج) وطرفاً لا يملك حتى قرار مغادرة الغرفة.
نعم، الإغواء موجود في العلاقات الإنسانية، والقول إن النساء "لا يُغوين" ليس ادعاءً يريد هذا المقال الدفاع عنه. لكن الإغواء، كمفهوم، يفترض ندّية نسبية بين طرفين: كلاهما قادر على الرفض دون ثمن باهظ. فكيف تُغوي سجينة سجّانها وهي التي لا تملك قرار الخروج من الغرفة التي تُحتجز فيها؟ ولماذا لا يُطرح السؤال المعاكس بالقدر نفسه من الجدّية: أليس محتملاً أن من استغلّ موقعه واستخدم سلطته وربما هدّد، هو من كان في موقع "الإغواء" الفعلي، بينما لم يكن أمام الطرف المستضعف من خيار سوى الاستسلام لظروف لا يعلمها الحمداني؟
إن الخلل البنيوي في خطاب الحمداني يكمن في إنه يستعير مفردات علاقة بين ندّين — الإغواء، الرضا، الرغبة المتبادلة — ليصفها بها علاقة بين سجّان وسجينة، حيث الطرفان غير متكافئين بالتعريف. وهذا ليس مجرد خطأ في التوصيف. إنه إعادة إنتاج لعلاقة القوة ذاتها التي مكّنت من وقوع الانتهاك أصلاً. وربما لا تبتعد الواقعة كثيراً عمّا نبّه إليه ميشيل فوكو حين ربط بين المراقبة والانضباط: فالكاميرا، بوصفها الرادع الوحيد أمام سلطة مطلقة على جسد عزل عن أي حماية، حين تُطفأ عمداً، فإن من يُطفئها لا يخشى عادة فضيحة رضا مشروع. إنه يخشى فضيحة انتهاك يريد إخفاءه.
والسؤال الأخير، وهو الأهم: هل قام حيدر الحمداني، بوصفه إعلامياً، بواجبه المهني؟ هل استقصى، وسمع الطرفين، وتحقق من مصادره، ثم توصّل إلى أدلة دامغة تنسف رواية التحقيق الرسمي ووزارة الداخلية ولجنة حقوق الإنسان مجتمعة؟ إن كان كذلك، فعليه واجب واحد لا غير: أن يعرض هذه الأدلة أمام الرأي العام، لا أن يكتفي بحكم يعفي أطرافاً متهمة بجريمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. أما إن لم تكن لديه أدلة كهذه، فإن ما قام به ليس صحافة، بل مشاركة في إعادة تدوير الجريمة عبر تحميل الضحية المفترضة مسؤولية ما جرى لها — وهو من أقدم أساليب إفلات الجناة من المحاسبة، وأكثرها فتكاً بثقة المجتمع بمؤسساته العدلية والإعلامية معاً.
القضية ما تزال أمام القضاء، والمتهمون ما يزالون متهمين لا مدانين، وهذا حق يُصان لهم. لكن الحق نفسه يُصان، بل يجب أن يُصان أولاً، لفتاة وجدت نفسها محتجزة خلف كاميرات أُطفئت عمداً. ومن يريد أن يتحدث باسم "الحقيقة" عليه أن يقدّم إثباتاً يوازي حجم اتهامه، لا أن يستبدل غياب الدليل بجرأة العنوان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. شاهد على العصر - صفقة السلاح السرية.. مدير المخابرات يكشف س
.. ما وراء الخبر | كيف ينهي الاحتلال آثار أوسلو ويفرض التطهير ا
.. جنيف تستضيف مؤتمرا دوليا عن الأسرى الفلسطينيين