الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المقال السابع عشر: القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا

صفاء العطية التميمي

2026 / 8 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


تقديم
تتحدّد متانة الدولة وقدرتها على البقاء والاستمرار بقدرة نخبها على استيعاب الفارق البنيوي بين الموقع الإداري السيادي بوصفه أداة لإدارة الفضاء العام وحماية العقد الاجتماعي، وبين السلطة بوصفها غنيمة سياسية أو امتيازًا فئويًا.
في التجارب الديمقراطية الناشئة ومراحل الانتقال السياسي المعقدة—كما في الحالة العراقية—غالباً ما يُصاب مفهوم "القيادة" بانتكاسة مفاهيمية خطيرة؛ حيث تتحول المسؤولية السياسية والتنفيذية من تكليف قانوني وأخلاقي خاضع للمساءلة المستمرة، إلى أداة لتحصين المصالح، وتوزيع المكاسب، وممارسة النفوذ الذاتي. إن إعادة ترميم مفهوم القيادة وإزاحة ثقافة الامتياز هي الخلية الأولى في جسد إصلاح الدولة.
أولاً: التفكيك المفاهيمي: من "عقلية الغنيمة" إلى "التكليف الدستوري"
يعود أصل الأزمة القيادية في الأنظمة الريعية والتحاصصية إلى هيمنة "عقلية الغنيمة" على حساب "فلسفة الخدمة العامة". فالقيادة في مفهومها الفلسفي والسياسي الحديث ليست علوّاً طبقياً ولا حصانة ذاتية، بل هي عقد تكليفي مقيد بحدود القانون ومحاط بمسؤولية أخلاقية وضوابط أداء صريحة:
* شكلية السلطة مقابل جوهر المسؤولية: السلطة في أصلها ليست استحقاقاً شخصياً، بل هي التفويض المؤقت الصادر عن الإرادة الوطنية لإدارة الموارد وحماية الأمن وتحقيق العدالة. ومتى ما أحيط هذا التفويض بهالة الامتياز الاستثنائي، فقد جليّته وأصبح أداة لإنتاج الفساد الهيكلي.
* النزاهة الأخلاقية والالتزام الدستوري: إن شرعية القيادة لا تُستمد فقط من الصندوق الديمقراطي أو المحاصصة التوافقية، بل تتشكل يومياً من خلال الشرعية الإنجازية، والالتزام الصارم بالدستور، وتقديم المصلحة العامة للبلاد على أي حسابات حزبية أو منطقة نفوذ.
ثانياً: الواقع العراقي: متلازمة الامتياز وتآكل مؤسسات الدولة
شهدت التجربة السياسية العراقية بعد عام 2003 تراكمًا لظاهرة "شخصنة السلطة" وتوسع الامتيازات الممنوحة للدرجات الخاصة والمواقع القيادية، مما أدى إلى انعكاسات خطيرة على هيكل الدولة:
* انفصال النخبة الحاكمة عن الواقع الاجتماعي:
أدت الامتيازات الاستثنائية والحمايات المفرطة والمخصصات الضخمة إلى إيجاد طبقة قيادية معزولة عن التحديات اليومية للمواطن، مما يعمق الفجوة بين المجتمع والدولة ويلغي دافع الإصلاح الحقيقي.
* تحويل المؤسسات إلى شبكات زبائنية:
عندما تُفهم القيادة كامتياز، يُصبح التعيين في المواقع العليا قائمًا على الولاءات الشخصية والفئوية بدلاً من الكفاءة والجدارة. هذا النهج يفرغ المؤسسات التنفيذية والأمنية من قدراتها التخصصية، ويحول القرار الإداري إلى أداة لحماية مكاسب الكتلة أو الحزب.
* غياب ثقافة المساءلة والتقويم:
ارتباط القيادة بالموقع لا بالإنجاز يعطل آليات الرقابة والمحاسبة؛ فتتحول الأخطاء الاستراتيجية وهدر المال العام إلى مجرد وجهات نظر سياسية تُدار بالتوافقات، بدلاً من التعامل معها كتقصير صريح يستوجب الإقالة والمحاسبة القانونية.
ثالثاً: المسار العلاجي: نحو نموذج قيادي مؤسسي حاسم
إن الانتقال من مفهوم "القيادة الامتيازية" إلى "القيادة التكليفية" لا يتحقق بالوعظ السياسي أو الشعارات الأخلاقية، بل يتطلب إصلاحات قانونية وهيكلية صارمة:
* إلغاء وتفكيك شبكة الامتيازات غير البرتقائية: ربط المخصصات والمزايا بالحدود الطبيعية للوظيفة العامة، وتجريم استغلال موارد الدولة ومؤسساتها لأغراض شخصية أو دعاية سياسية حصرية.
* اعتماد معايير "الحوكمة والإدارة بالجدارة" (Meritocracy):
إبعاد الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة والمؤسسات الأمنية والخدمية عن بورصة التوافقات السياسية، وإخضاع التعيينات القيادية لمجالس خدمة مستقلة وفق أطر كفاءة وسجل إنجاز واضحة.
* تفعيل التقييم الدوري وتكلفة الفشل:
إيجاد مؤشرات قياس أداء مستمرة (KPIs) للقيادات العليا، بحيث يصبح البقاء في الموقع الإداري والسياسي مرهوناً بالنتائج الملموسة والالتزام بالتوقيتات الزمانية للمشاريع والاستراتيجيات الوطنية.
* المساءلة الشفافة وسيادة القانون:
رفع الحصانات الإدارية والسياسية عن أي قيادي يثبت تورطه في فساد مالي أو تقصير إداري، وترسيخ قاعدة قانونية واحدة: كلما ارتفعت درجة المسؤولية، زادت شدة المحاسبة والعقاب.
خلاصة المقال
لا يمكن بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون في العراق بعقول تنظر إلى المناصب السيادية والتنفيذية بوصفها محطات جباية ونفوذ. إن "أولوية الدولة" تفرض بالضرورة إعادة الاعتبار لهيبة المسؤولية الوطنية، وترسيخ مفهوم يقيني مفاده: إن القيادة خادمة للدولة والمواطن، وليست مخدومة بهما؛ وأن الموقع القيادي هو أعظم أشكال التكليف الوطني والواجب الأخلاقي الذي لا يُقبل فيه الخلل أو المقايضة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز


.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ




.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟


.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا




.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس