الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار

سعد بن علال

2026 / 8 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


من معادلة الواقع والخيال إلى سؤال التحرر الجديد

ليست الأجيال أرقاما تمر في سجل الزمن، ولا تواريخ بيولوجية تفصل بين جيل وآخر. الأجيال هي أبناء شروطها التاريخية، تحمل ندوب المرحلة التي ولدت فيها، وتحمل في الوقت نفسه بذور تجاوزها.

وجيل Z هو ابن مفارقة كبرى: جيل ولد في زمن الوفرة الهائلة للمعلومة، لكنه يعيش في زمن ندرة الفرص. جيل يملك العالم في هاتفه، لكنه يصطدم كل يوم بجدران الواقع. جيل يستطيع أن يتحدث مع الملايين، لكنه يبحث عن معنى الانتماء في عالم تتآكل فيه الروابط القديمة.

لهذا فإن فهم هذا الجيل لا يبدأ من اتهامه بالفردانية أو اللامبالاة، بل من قراءة التناقض الذي يسكنه.

يمكن اختصار هذا التناقض في معادلة رمزية:

Z = a + i b

ليست معادلة رياضية، بل صورة لجيل يقف بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

"a": جيل يصطدم بجدار الواقع

هناك واقع ثقيل يفرض نفسه على هذا الجيل. واقع العمل الهش، وانتظار الفرص، وارتفاع كلفة الحياة، وتحول المستقبل من وعد إلى سؤال مفتوح.

لقد ورث جيل Z عالما قيل له فيه إن النجاح مسألة فردية، وإن الاجتهاد وحده يفتح الأبواب. لكنه اكتشف أن هناك جدرانا أكبر من الإرادة الفردية: نظام اقتصادي ينتج اللامساواة، ومؤسسات فقدت الكثير من قدرتها على الإقناع، وعلاقات اجتماعية أصبحت أكثر هشاشة.

إن a هو هذا العالم الملموس: عالم الحاجة والضرورة والصراع اليومي من أجل الاعتراف والمكان.

لكن مأساة أي قراءة سطحية لهذا الجيل أنها تراه فقط من خلال أزماته، وتنسى أن الأزمات نفسها يمكن أن تكون بداية وعي جديد.

"b": حين يتحول الحلم إلى سؤال سياسي

خلف هذا الواقع القاسي يوجد شيء آخر: رفض داخلي للاستسلام.

ذلك هو b، الجزء الذي يمثل الرغبة في عالم مختلف. ليس حلما رومانسيا منفصلا عن الواقع، بل بحثا عن معنى فقدته المجتمعات الحديثة.

جيل Z لا يسأل فقط: كيف أجد وظيفة؟ بل يسأل أيضا: لماذا أعمل؟ ولأي غاية؟ وفي أي عالم أريد أن أعيش؟

إنه جيل يطرح أسئلة حول البيئة، والعدالة، والحرية الفردية، والعلاقات الإنسانية، ومعنى النجاح نفسه.

وهنا يلتقي مع جوهر الفكرة اليسارية: الإنسان ليس مجرد قوة عمل، والمجتمع ليس سوقا كبيرا، والتقدم ليس فقط تراكم ثروة، بل بناء حياة أكثر إنسانية.

"i": أزمة اليسار هي أزمة الخيال

لكن العنصر الأكثر دلالة في المعادلة هو i: الخيال.

فالخيال ليس ترفا شعريا، بل هو القدرة على رؤية الممكن داخل المستحيل. كل فكرة تحررية كبرى بدأت كخيال: عالم بلا استغلال، مجتمع بلا قهر، إنسان أكثر حرية وكرامة.

لقد كان اليسار، في لحظات قوته التاريخية، قوة خيال قبل أن يكون قوة تنظيم. كان يقدم للناس ليس فقط نقدا للواقع، بل صورة عن عالم يمكن تغييره.

غير أن جزءا من أزمة اليسار اليوم يكمن في أن ذاكرته أصبحت أحيانا أقوى من مخيلته. يستعيد بطولات الماضي أكثر مما يبتكر أدوات المستقبل، ويدافع عن أجوبة قديمة أمام أسئلة جديدة.

إن جيل Z لا يحتاج إلى يسار يحاكمه لأنه مختلف، بل إلى يسار يصغي إليه لأنه يحمل أسئلة عصره.

إلى قوى اليسار الجذري: لا تبحثوا عن شباب الأمس

إن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه قوى اليسار الجذري هو انتظار عودة جيل يشبه الأجيال السابقة: نفس اللغة، نفس الأشكال التنظيمية، نفس طرق التعبئة.

فالتاريخ لا يعيد نفسه، بل يخلق أشكالا جديدة للصراع.

الشباب اليوم لا يدخل السياسة بالضرورة من الأبواب التي عرفها اليسار التقليدي. قد يبدأ من قضية بيئية، أو حملة رقمية، أو احتجاج اجتماعي، أو سؤال ثقافي. لكن خلف هذه التعبيرات المتنوعة يوجد بحث عن العدالة والكرامة والمعنى.

المطلوب من اليسار ليس أن يتخلى عن مشروعه، بل أن يعيد اكتشاف جوهره: تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب.

عليه أن يربط بين a و b: بين النضال ضد واقع الاستغلال وبين بناء أفق يتجاوز هذا الواقع.

وعليه أن يستعيد i: جرأة الحلم، وشجاعة الخيال، والقدرة على قول إن العالم القائم ليس العالم الوحيد الممكن.

الخاتمة: بين الذاكرة والمستقبل

جيل Z ليس جيلا بلا قضية، كما أنه ليس جيلا مثاليا بلا جذور.

إنه جيل يحمل تناقضات عصره: واقع يضغط عليه، وخيال يقاوم داخله.

Z = a + i b

إنه الجدار الذي يواجهه كل يوم، والنافذة التي يفتحها نحو المستقبل.

أما مهمة اليسار الجذري فهي أن لا يقف أمام هذه النافذة خائفا، بل أن يدخل منها. لأن القوى التي تعجز عن مخاطبة خيال الأجيال الجديدة، ستبقى أسيرة ذكرياتها مهما كان تاريخها مجيدا.

فالمستقبل لا ينتظر من يرثه، بل من يجرؤ على تخيله وبنائه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التنافس في سوريا يخرج إلى العلن الحرب الباردة بين تركيا وإسر


.. بريطانيا تدخل الحرب من السماء!.. مسيرات تضرب عمق روسيا وبوتي




.. أكاديمي أمريكي: إسرائيل لا تريد لسوريا إعادة تطوير جيشها مج


.. -إيران تنتقل للاستراتيجية الهجومية-.. أين تتجه المواجهة بين




.. أستاذ بجامعة ميريلاند: التصعيد الإسرائيلي يقوض حل الدولتين