الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
«حسني الإتلاتي: من صقيع التهميش إلى دفء الإبداع.. جغرافيا الجنوب في مواجهة مركزية القاهرة(6-10)»
عطا درغام
(Atta Dorgham)
2026 / 8 / 5
مقابلات و حوارات
في مغامرة إبداعية جريئة تعانق قسوة الجغرافيا وجماليات التأمل، يأخذنا الشاعر حسني الإتلاتي إلى تخوم الهامش والجنوب المصري، حيث ينتصر الكاتب لصدق التجربة ونقاء البصمة الفنية بعيداً عن صخب المركز وواسطة الصالونات. يكشف هذا الحوار عن مرارة البعد وتكلفة المسافة بين أسوان والقاهرة، ليبرز كيف تحولت العزلة إلى قوة دافعة تجود الإبداع وتصنع مجداً معنوياً يوازي آلاف الأميال، مواجهاً طوق التهميش بسلاح الكلمة الحرة والإيمان المطلق بأن الشعر الحقيقي يفرض نفسه مهما أمعن المكان في الإقصاء.
المحور السادس: قضايا المركزية، الهامش، وشعراء الأقاليم
صرحت بأن "شعراء الجنوب الأقوى إبداعًا"؛ ما هي المرتكزات التي بنيت عليها هذا الحكم؟
عندما أذهب في أمسيات شعرية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أو ليالي رمضان الثقافية التي تقيمها هيئة قصور الثقافة، أجد أن القادمين من الجنوب هم الأكثر حيازة على إعجاب الحاضرين، وأجدهم الممسكين بروح الإبداع وبكارة الصور؛ لأن في الجنوب ما زالت مساحة من التفكير والتأمل، ومساحة من الخيال.
ما زال الجنوب غير ملوث بالضجيج والزحام القاتل الموجود في القاهرة والوجه البحري. ما زال لدى الجنوبيين عقدة أنهم بعيدون عن الضوء، وهذه العقدة تجعلهم ينتصرون لإبداعهم أكثر، فيجودون في إبداعهم ويحسنونه؛ لأنهم يدركون أنه لا واسطة لهم، ولا وسيلة لنيل فرصة النشر أو التواجد سوى إبداعهم الحقيقي.
في حين أن التواجد وفرص النشر للقاهرة وأهل الدلتا ربما تكون سهلة ومتاحة؛ لأن معظم الذين ينشرون، ومعظم الذين يعقدون الندوات، وأصحاب الصالونات، وأصحاب المنصات في القاهرة، معظمهم من أبناء هذه المناطق.
علاوة على أن في الدلتا والقاهرة ربما ساعتان فقط من المواصلات؛ تحضر أمسية تبعد عنك ثلاث محافظات أو أربع، وتعود في نفس الليلة. بينما نحن في الجنوب نحتاج يومًا للذهاب ويومًا للعودة، ولا يستطيع من يذهب 16 ساعة في القطار من أسوان إلى القاهرة أن يعود في نفس اليوم، لابد أن يأخذ قسطًا من الراحة.
هذا يجعل المشاركة في فعاليات ثقافية في القاهرة، هوليوود الشرق كما يقولون، أمرًا بالغ الصعوبة أمام المبدعين في الجنوب. إذًا، المعوقات أمام الجنوبيين أكثر، لذلك هم ينكفئون وينغلقون على إبداعاتهم، يجودونها ويطورونها، حتى يستطيعوا الفوز بتقدير واحترام أهل النشر وأهل الثقافة.
كيف ترى سطوة القاهرة وقدرتها التاريخية على "الوأد والإحياء" للعديد من النجوم والتيارات الأدبية؟
ما زلنا حتى الآن ننظر إلى أدباء الأقاليم نظرة الأقل، وهذه نظرة مخالفة للواقع. فلدينا كتاب كبار حققوا وجودهم المصرية والعربية، وهم مقيمون في مناطق إقامتهم أو ميلادهم.
لكن القاهرة، بما تمتلك من زحام رهيب من الصالونات، والندوات، والجامعات، والقنوات الفضائية، والنوافذ المفتوحة للمبدعين، والنقابات وغيرها، هي للموهوب والمبدع فرصة أفضل بكثير من المقيم خارج القاهرة.
لكن هذا لا يعطي المقيم خارج القاهرة أي مبرر أن يتكاسل في إثبات وجوده، وفي تنمية موهبته وصقلها، والحصول على حقه من منزله ومكانه.
هل تؤمن بمقولة "البعيد عن العين بعيد عن القلب" أم ترى أن بُعد الجنوب يمنحه سحرًا غامضًا؟
كنت متفائلًا حتى وقت قريب أن الجنوب يظلم أبناءه بموقعه الجغرافي البعيد عن القاهرة، شريط طويل ممتد على نهر النيل، يبعد 16 ساعة من أسوان إلى القاهرة، ويكلف الواحد منا لحضور ندوة واحدة أكثر من 1000 جنيه، في حين قد يكون هو نفسه موظفًا ولديه أسرة وأولاد، ويكون مبلغ الـ1000 جنيه بمثابة ربع راتبه أو أكثر أو أقل، فيشعر بأنه في منفى أو في دولة أخرى، وهذا يبعده عن أضواء القاهرة، والقاهرة هي مركز الضوء في الوطن العربي وليس في مصر فقط. ولكن لنكن منصفين، البُعد في الجنوب عن الضوء هو أيضًا بُعد عن ضوضاء وزحام غير المبدعين، فهذه العزلة تتيح التأمل واصطياد الأفكار الجديدة، واتخاذ مواقف إنسانية أكثر من غيرهم؛ لأنهم متحررون غالبًا من حسابات المصالح والمنافع، والشلل غالبًا ينحازون إلى أصوات ضمائرهم، لذلك غالبًا الأصوات المختلفة تأتي من الأماكن المحرومة والمعزولة عن الضوء.
كيف يمثل الإبداع "معادلًا موضوعيًا" لوجود الجنوبيين وتجاوز تهميشهم المستمر واقعًا ومجازًا؟
قد لا نعيش الحياة التي نريد، الكتابة تعطينا الحياة التي نريدها. قد لا نحصل على المجد الذي نستحقه بالوظيفة أو بالثراء المادي، والكتابة تعطينا هذا المجد وهذا الثراء المعنوي. يُشار إليك: هذا كاتب أو هذا شاعر، فتشعر أنك تملك عزبة أو فيلا أو ملايين الدولارات، تشعر أنك مثل رجل أعمال، في حين أن بعض الأموال وبعض الوظائف لا تتيح لك هذا المجد المعنوي.
ما هي العوائق الحقيقية التي تمنع شاعر الأقاليم من الانتشار الفوري مقارنة بشاعر العاصمة؟
حاليًا، في الفترة الأخيرة، الفيسبوك والتيك توك واليوتيوب والإنستجرام وتليجرام والواتساب كلها وسائل للانتشار، وهذه الوسائل المتاحة للانتشار السريع قد تكون وسائل غير عادلة؛ فبعض الذين حققوا ملايين المشاهدات بفيديوهات أشعار ضعيفة ومتوسطة، لكنها شعبوية، ظلموا المبدعين الحقيقيين الذين لا يمتلكون من يُخرج فيديوهاتهم بطريقة جيدة وصحيحة، وإمكانيات لإعلانات ممولة وغيرها، فربما أيضًا هذا ظلم بعض المبدعين الحقيقيين، خاصة أن الشعر للنخبة وللصفوة غالبًا، وأن الشعر الجيد قد لا يعتمد على الإلقاء والسماع، قد يعتمد على القراءة، مثل قصيدة «النسر» مثلًا، ومثل كتاب القصة والرواية. لكن على العموم أو في المطلق نستطيع أن نقول إن قنوات التواصل الاجتماعي أتاحت لمن ليس لديه واسطة للانتشار أن ينتشر، وعلينا أن نعيد حساباتنا، وأن نحاول الوصول إلى الجمهور بإبداعنا الجيد، وعلى وزارة الثقافة تحمل مسؤوليتها في فتح قنوات جيدة وقوية لدعم المبدعين الحقيقيين.
كيف تصف الفارق في التكلفة والتنقل بين أدباء وجه بحري والدلتا وأدباء الصعيد في تواصلهم مع القاهرة؟
سافرت لحضور حفل توقيع ومناقشة كتاب «الساعة جت 30» لصديقي الشاعر مؤمن ممدوح، سافرت من أسوان إلى القاهرة ونزلت عنده في فيصل، وبعد انتهاء الندوة وجدت أن تكاليف انتقالنا من فيصل الجيزة إلى موقع الأمسية في الربع الثقافي في شارع المعز جنيه واحد، تذكرة مترو وقتها. وفي مرة أخرى نزلت في فيصل أيضًا، كنت مشاركًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وأردت أن أذهب إلى شقيق زوجتي في القناطر الخيرية، وجدت أن جنيهًا واحدًا تذكرة مترو انتقلت بها ثلاث محافظات، من فيصل الجيزة إلى العتبة القاهرة إلى المظلات في القليوبية، ثلاث محافظات بجنيه واحد فقط. أيضًا من فيصل الجيزة ذهبت إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب في مدينة نصر، موقعه القديم، بجنيه واحد فقط عن طريق المترو. كل ما أريد قوله إنك في القاهرة والمحافظات القريبة في الدلتا تستطيع بأقل نفقات ممكنة السفر إلى القاهرة وحضور الندوات والعودة إلى بيتك مرة أخرى.
صرحت بأنك "لا تحب المحسوبية ولا تسعى لتكوين صداقات للنشر"؛ كيف أثر هذا الموقف الأخلاقي على انتشارك؟
غالبًا أرى أنني لا أحب أن أستفيد أبدًا من علاقتي بالآخرين، لا أحب أن أحصل على فرصة ممن أحبهم أو أكنّ لهم ودًّا واحترامًا. أصدقائي في الهيئة العامة لقصور الثقافة وفي هيئة الكتاب، أصدقاء كثيرون، لكن لا أحب أن أستفيد من علاقتي بهم. كذلك أصدقائي في الصحف مثل الأهرام والجمهورية والمساء، أغلبهم هم الذين يكرمونني بالدخول على الخاص، يطلبون مني قصائد. هذا ما حدث فعلًا مع المرحوم العظيم أسامة عفيفي، صاحب مجلة «المجلة»، ومع الأستاذ عبد الصبور بدر في مجلة «آخر ساعة»، ثم «الأخبار» فيما بعد. كذلك الشاعر الكبير أحمد المريخي وفارس خضر في مجلة «الشعر»، كذلك الأستاذ جمال فتحي في الجمهورية، والأستاذ محسن عبد العزيز نشر لي وهو ليس صديقًا معي على الفيسبوك وليس له علاقة بشخصية في جريدة الأهرام، وكذلك الدكتور مسعود شومان في مجلة «الثقافة»، وكذلك الأستاذ طارق في «أخبار الأدب»، كذلك أيضًا دكتورة صفاء النجار في «الدستور»، كذلك دكتور يسري حسان في «المساء»، والأستاذ يسري السيد في الجمهورية، والأستاذ فارس خضر في الإذاعة والتلفزيون.
هل ترى أن "الشللية" في القاهرة أصبحت هي المتحكم الأول في الفعاليات والأنشطة الثقافية؟
هناك أسماء معينة يتم تكريمها وتقديرها، وجوائز الدولة غالبًا تذهب عن طريق المصالح والتربيطات. مناقشة الكتب في اتحاد الكتاب تتم لمن له علاقة بهم أو ينشر لدى دور نشرهم، وهذه جريمة وهذا فساد.
كيف استطعت من "آخر نقطة في الصعيد" كسر الطوق والنشر في كبريات الصحف الرسمية والخاصة؟
أطلقت هذا التعبير عندما قامت جريدة «الدستور» المصرية العريقة بإنشاء حوار معي عن طريق الكاتب الكبير حسين عبد الرحيم، فقلت: من أقصى نقطة في جنوب مصر إلى القاهرة، إلى جريدة «الدستور» تتحاور معي، بمعنى أن الانتصار وأنت في المنفى أفضل من انتصار الإنسان في وطن، بمعنى انتصار الأديب في قريتي أو سكنه البعيد في أقصى الجنوب أو الشمال، بعيدًا عن الضوء، هو انتصار حقيقي للمبدع.
هل تعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت منحت شعراء الأقاليم نوعًا من "تكافؤ الفرص" الرقمي؟
وصل إلى الناس عن طريق النشر الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، وصلت بعض الأصوات الجيدة التي لم تكن تستطيع أن تصل لولا هذه الثورة الرقمية، لكن أيضًا ليس تكافؤ فرص رقمي فقط، ولكن تكافؤ فرص واقعي أيضًا؛ فمعظمنا عن طريق وسائل التواصل تعرف علينا الناشرون في الصحف والمجلات المصرية والعربية، ونشروا لنا إبداعنا وحوارات، مثل «الرافد» الإماراتية و«العربي» الكويتية و«أوروك» الثقافية العراقية و«الشرق» الجزائرية، والعديد من الصحف والمجلات المتخصصة التي لم تكن الفرصة متاحة لنا للنشر فيها لولا وسائل التواصل الاجتماعي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. التنافس في سوريا يخرج إلى العلن الحرب الباردة بين تركيا وإسر
.. بريطانيا تدخل الحرب من السماء!.. مسيرات تضرب عمق روسيا وبوتي
.. أكاديمي أمريكي: إسرائيل لا تريد لسوريا إعادة تطوير جيشها مج
.. -إيران تنتقل للاستراتيجية الهجومية-.. أين تتجه المواجهة بين
.. أستاذ بجامعة ميريلاند: التصعيد الإسرائيلي يقوض حل الدولتين