الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هل تتخلى أمريكا عن -الترامبية- بعد ترمب؟
حسين علي الحمداني
2026 / 8 / 5مواضيع وابحاث سياسية
قبل عقد من الزمن، رفع دونالد ترمب شعار "أمريكا أولاً"، ولم يكن كثيرون يتوقعون أن يتحول هذا الشعار من برنامج انتخابي إلى ظاهرة سياسية أعادت تشكيل المشهد الأمريكي. واليوم لم يعد السؤال يدور حول ترمب كشخص، بل حول الإرث السياسي الذي تركه، وهل تستطيع الولايات المتحدة العودة إلى ما كانت عليه قبل عام 2016؟
الحقيقة أن "الترامبية" لم تعد مجرد تجربة انتخابية، بل أصبحت تياراً سياسياً يعكس تحولات عميقة داخل المجتمع الأمريكي. فهي ليست شخصاً ولا حزباً، وإنما رؤية تقوم على أربعة مرتكزات رئيسية: حماية الاقتصاد الوطني، وتشديد الرقابة على الحدود والهجرة، وتقليص الالتزامات الخارجية، والتشكيك في النخب السياسية والإعلامية التقليدية.
وقد وجد هذا الخطاب صدىً واسعاً لدى ملايين الأمريكيين، ولا سيما في الولايات الصناعية التي فقدت جزءاً كبيراً من وظائفها بسبب العولمة وانتقال الصناعات إلى الخارج. بالنسبة لهؤلاء، لم يكن ترمب مجرد رئيس، بل كان تعبيراً عن غضب اجتماعي واقتصادي تراكم طوال عقود.
لهذا السبب، فإن رحيل ترمب عن المشهد السياسي لا يعني بالضرورة نهاية الترامبية. فالأسباب التي ساعدت على صعودها ما زالت قائمة إلى حد كبير. فالهجرة غير النظامية لا تزال قضية خلافية، وارتفاع تكاليف المعيشة يقلق الطبقة الوسطى، كما أن الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية والإعلامية شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، تغير الحزب الجمهوري بصورة عميقة. فبعد أن كان يُعرف بالدفاع عن التجارة الحرة والانخراط الدولي الواسع، أصبحت قاعدته الشعبية أكثر ميلاً إلى السياسات الحمائية، وأكثر تشككاً في جدوى التحالفات الخارجية، وأكثر اهتماماً بالقضايا الداخلية. ولم يعد من السهل على أي سياسي جمهوري تجاهل هذا التحول أو العودة إلى خطاب ما قبل عام 2016.
لكن اللافت أن بعض الأفكار التي ارتبطت بترمب لم تعد حكراً على الجمهوريين. فالمنافسة الاقتصادية مع الصين، وإعادة الصناعات الاستراتيجية إلى الداخل الأمريكي، وتأمين سلاسل الإمداد، أصبحت أهدافاً تتبناها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإن اختلفت في أساليب التنفيذ. وهذا يشير إلى أن جانباً من "الترامبية الاقتصادية" تحول إلى سياسة أمريكية أوسع فرضتها التحولات الدولية، وليس مجرد خيار حزبي.
ومع ذلك، فإن استمرار الترامبية بصورتها الحالية ليس أمراً محسوماً. فهناك عوامل قد تدفعها إلى التراجع، أبرزها الإرهاق الذي أصاب الشارع الأمريكي بعد سنوات طويلة من الاستقطاب السياسي، إضافة إلى احتمال غياب الشخصية الكاريزمية القادرة على توحيد هذا التيار بعد ترمب. كما أن قدرة الحزب الديمقراطي على استعادة ناخبي الوسط ستؤثر بدورها في حجم التأييد الذي يحظى به الخطاب الشعبوي.
أما على المستوى الدولي، فقد تركت الترامبية آثاراً يصعب تجاهلها. فقد دفعت الحلفاء الأوروبيين إلى التفكير بجدية أكبر في تعزيز قدراتهم الدفاعية، وشجعت كثيراً من دول العالم على إعادة حساباتها في التعامل مع واشنطن، بعدما أصبحت تدرك أن تغير الإدارة قد يقود إلى تغير سريع في السياسات الخارجية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيختفي ترمب من الحياة السياسية؟ بل: هل فهمت واشنطن الأسباب التي دفعت ملايين الأمريكيين إلى اختياره؟
إذا اعتُبرت الترامبية مجرد استثناء عابر، فقد تعود بأسماء جديدة وفي ظروف مختلفة. أما إذا نجحت المؤسسات الأمريكية في معالجة جذور الغضب الاقتصادي والاجتماعي الذي أفرزها، فقد تتحول تدريجياً إلى مرحلة من التاريخ السياسي الأمريكي.
قد يغيب الاسم، لكن الأفكار التي أطلقها ستظل مؤثرة لسنوات، لأن السياسة لا تتغير بتغير الأشخاص وحدهم، بل بتغير الظروف التي صنعتهم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. التنافس في سوريا يخرج إلى العلن الحرب الباردة بين تركيا وإسر
.. بريطانيا تدخل الحرب من السماء!.. مسيرات تضرب عمق روسيا وبوتي
.. أكاديمي أمريكي: إسرائيل لا تريد لسوريا إعادة تطوير جيشها مج
.. -إيران تنتقل للاستراتيجية الهجومية-.. أين تتجه المواجهة بين
.. أستاذ بجامعة ميريلاند: التصعيد الإسرائيلي يقوض حل الدولتين