الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
طه دخل الله عبد الرحمن
2026 / 8 / 6الادب والفن
1 – سل النجوم
شرنقة العتمة واعترافات الناي الوحيد
سل النجوم التي أنهكها السهر عن سرِّ هذا الولع، وسل القمر الذي ألفَ وجهَ العاشقين، كيف يبوح الليل لمن سكنوه؟ قل لهم إنك لا تسأل عن مسارات الأفلاك ولا عن تقاويم الضوء، بل تسأل عن قلبٍ صار مرآةً للظلام، فلم يعد يأنس إلا بمواكب الغياب. أنا لا أمشي في النهار، بل أجرُّ خطاي نحو المغيب، لأن في سواد الليل اتساعًا لفكرةٍ واحدة، هي أنتِ.
كم أنا عاشقٌ لليل، لا لأني أهرب من وضح النهار، بل لأن وجهك لا يكتمل إلا حين تغفو الشمس. عاشقٌ للسهر، لأن السهر صلاةُ المشتاقين، حين يصمت العالم وتعلو فيه همهمة القلب. أنا الليلُ وقد صار لي وطنًا، والسهرُ وقد صار لي مهنة، أتقنها بصبر النساك في محاريبهم.
تسألني النجوم عن نشيدي، فأقول: استمعوا إلى تلك الأغنية التي لا تشبه ألحان البشر. إنها أغنية منسوجة من جوهر الوجود، كلماتها استُلَّت من معجم الخلق الأول: من الحب الذي هو طينة الروح، ومن العشق الذي هو امتحانها، ومن الشوق الذي هو وقود رحلتها، ومن الجنون الذي هو عقلها الوحيد حين تبلغ منتهاها. أتدرون أيَّ جنون هذا؟ إنه جنون من أدرك أن الكون كله لا يساوي نبضةً في حضرتها.
وفي تلك الأغنية، لا تسأل عن العازفين ولا عن المطربين، فالجوقة صامتة، والمسرح خاوٍ إلا من قلبٍ واحد، هو قلبي. قلبي هو من يعزف لحنها، لا بأصابع، بل بخفقات لو قيست بالزمن لأدركتم أن عمري كله كان مجرد بروفة لهذا اللحن. ينبض فيصدح، ويخفق فيوجع، ويسكن فيُطرِب.
ولكن أتعلم ما هو السر الأعظم في هذه المقطوعة؟ إن لحن قلبي، بكل هيبته، يظل صرخةً في فراغ، لولا وترٌ واحدٌ مشدودٌ في غيب الكون، وترٌ ليس من حرير ولا من عصب، بل من طيفك أنت. طيفُك هو الوتر، أنتِ الرنين، أنتِ التردد الذي يحول الصمت إلى معنى، والخفق إلى نشيد. فإن غبتِ، عاد قلبي طبلًا أخرس، وإن حضرتِ، صرنا معًا هذا الناي الوحيد الذي يملأ الليل شجنًا، وتلك الأغنية التي لو سمعتها النجوم لسال من فضتها دمعة، وانكسر في صمت القمر اعتراف.
***************
القصيدة:
سل النجوم
سل القمر
كم أنا
عاشق لليل
للسهر
لأغنية
كلماتها من الحب
من العشق
من الشوق
ومن الجنون
أغنية
قلبي هو من يعزف لحنها
وطيفك هو
الوتر ..........................
الخادم : مايكل حمدان
**********************************
2- طفح الحب
طفح الحب بين استعارات الخمرة ورغوة السعادة
في ديوان العشق الإنساني، تظلّ صورة "الكأس" أبلغ ما يعبّر عن فيض المشاعر، فهي ليست وعاءً جامداً، بل كينونة تنبض بالحياة حين تفيض بخمر الهوى. حين يقول الشاعر "يفيض حبي" فهو لا يصف كمّاً عاطفياً فحسب، بل يرسم مشهداً وجودياً يتجلّى فيه الحب كجوهرٍ متدفقٍ لا يحتمل الاحتجاز، وكأن القلب قد تحوّل إلى إناءٍ كونيّ تترقرق فيه نشوة الوجد حتى الثمالة. وهذا الفيض ليس مجرد انهمار، بل هو تجلٍّ بلاغي للوفرة التي تجعل العاشق في حالة من السُكْر الوجودي، حيث تذوب الحدود بين الذات والموضوع، بين الحبيب والمحبوب، فيمزج الشاعر بين حسّي التذوّق والرؤية، فيقول: "رغوة الحلاوة والسعادة"، محوّلاً المعنويات إلى مادّياتٍ تترقرق على سطح الروح.
إنّ الاستيقاظ من "سُكرة" الحب في النص ليس صحواً من غفلة، بل هو دخول في دهشة أعمق، حيث يجد العاشق صدره يضجّ لا بالكلمات، بل برغوة الحلاوة التي تفيض كالشمبانيا الفائضة عن كأسها. وهنا تتجلى المفارقة البلاغية، فالصحو يُفضي إلى سُكرٍ جديد، والوعي يُنتج نشوةً أصفى، وكأن الحب في رؤية الدكتور مايكل حمدان دوامةٌ صاعدة لا قرار لها، تارةً تكون كأساً تمتلئ، وتارةً تكون بحراً لا ينضب. إنه الحب الذي يتجدّد بفعل السؤال الوجودي: "لماذا يظلّ قلبي ينتظر المزيد؟"، وهذا السؤال هو عين الجمال النقدي في النص، لأنه يفتح أفق التأويل على أن العشق ليس حالة آنية، بل منهج حياة قائم على الترقب والأمل.
وتتجلّى براعة المضمون حين يخصّص الشاعر مصدر هذه الخمرة بأنها "لا تسكبه إلا أيادي العاشقين عشاق التمالة"، فهنا يتحوّل الفعل من صبّةٍ عابرة إلى طقسٍ مقدّس، حيث الأيادي ليست وسيلة، بل هي امتدادٌ للروح، والعاشقون ليسوا مجرد فاعلين، بل هم كهنة هذا المعبد العاطفي. إن كلمة "التمالة" تُحدث شحنةً صوفية، فهي تعني الامتلاء حتى الزُبى، أي حتى الإشراق بالفيض، وهذا يضفي على الحب بُعداً لاهوتياً، حيث يصير العطاء العاطفي مصدراً للخلاص الروحي. وهكذا، يخرج النص من دائرة الغزل التقليدي إلى فضاء التأمل الفلسفي، معتمداً على استعاراتٍ حسيةٍ تنقل المعاني الذهنية إلى ملموسٍ يتذوّقه القارئ.
أما النهاية التي تؤكد أن "خمر المحبة لا تنضب أبداً"، فهي ليست مجرد توكيدٍ إنشائي، بل هي بيان نقدي يحطّم وهم الفناء، ويؤسس لفلسفة الحب الأبدي الذي يتجدّد كلما ظننا أنه قد استنفد. إنها دعوة للقراءة المتجددة للنص، حيث كلما عدنا إليه وجدنا فيه خمراً لم نشربها بعد، ورغوةً لم نكتشف طعمها، وهذا هو سرّ كتابة الحب التي تظلّ شامخة بفعل قدرتها على تجاوز زمانها إلى أبدية المعنى. وهكذا، ينجح النص في أن يكون لوحةً تشكيليةً بالكلمات، ونوتةً موسيقيةً بالمعاني، تعلن أن العشق الحقيقي ليس حالةً عابرة، بل هو طفحٌ وجوديٌّ لا ينتهي، يُسكره من يشربه، ويُفيق من يغترف منه إلى ما لا نهاية.
*****************
القصيدة:
طفح الحب
ندى"
ولهيبا
طفح الحب
مثلما تطفح الكأس
عندما تملأها
خمرا
يفيض حبي
وعندما أفيق من
سكرتي
أشعر بصدري
يضج برغوة الحلاوة
والسعادة
وأجد قلبي
ينتظر المزيد
من العشق
من الحب
من خمر لا تسكبه
إلا أيادي
العاشقبن
عشاق التمالة
من خمر محبة
لا تنضب .. أبدا ...!!!
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية
.. علاقة حالات الطلاق بالتمثيل رئيس أكاديمية الفنون تتحدث عن
.. خدعة السينما المصرية.. هل يمكنك أن تستيقظ لتجد حسابك في الب
.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع