الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العراقيون يرجمون القطار؟ قراءة في سيكولوجيا الظل الجمعي بمنظور كارل غوستاف يونغ
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 8 / 7قضايا ثقافية
تبدو حادثة رجم القطارات بالحجارة في العراق، التي أشار إليها الأستاذ الدكتور مفيد الزيدي، صغيرة إذا قيست بحجم المشكلات التي يواجهها المجتمع العراقي، لكنها تصبح ذات دلالة مختلفة حين ننظر إليها بوصفها سلوكاً اجتماعياً متكرراً. فالقطار ليس شخصاً دخل في خصومة مع من يرميه، ولا يمثل عدواً مباشراً، ولا توجد منفعة يحصل عليها الفاعل من تحطيم نافذته أو إلحاق الضرر به. هنا يبدأ السؤال النفسي: لماذا يرجم الإنسان شيئاً عاماً يستخدمه هو وأسرته ومجتمعه؟ ولماذا تتحول ممتلكات الدولة، في بعض البيئات، إلى هدف سهل للتخريب؟ يمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال علم النفس التحليلي عند كارل غوستاف يونغ، ولا سيما مفاهيم الظل، واللاوعي الجمعي، والإسقاط النفسي، وعلاقة الفرد بالجماعة. ولا يعني ذلك تشخيص الأشخاص الذين يقومون بهذا الفعل من بعيد، بل البحث عن البنية الرمزية والنفسية التي تجعل الاعتداء على الممتلكات العامة قابلاً للتكرار والتقليد.
القطار بوصفه رمزاً للدولة والنظام
يحمل القطار دلالة تتجاوز وظيفته في النقل. إنه يتحرك وفق خط محدد، وموعد محدد، ومحطات معلومة، وقواعد لا يقررها الفرد. ومن هذا المنظور يمثل القطار النظام، والانضباط والاستمرارية والمؤسسة. وحين يتعرض للرجم، تصبح الحادثة قابلة لقراءة رمزية. فالحجر لا يصيب الحديد وحده، بل يصيب، على المستوى الرمزي، صورة المؤسسة العامة. في المجتمع الذي تتعرض فيه الثقة بالدولة للاهتزاز، تتغير علاقة المواطن بالممتلكات العامة. لا يعود القطار في الوعي اليومي "قطارنا"، بل يصبح "قطار الحكومة". ولا تصبح المدرسة "مدرستنا"، بل "مدرسة الدولة". ويتكرر الأمر مع الحدائق، والشوارع والحافلات والأرصفة. هنا يحدث انفصال نفسي بين الفرد والفضاء العام. يحافظ الإنسان على ممتلكاته الخاصة، لكنه لا يشعر بالالتزام نفسه تجاه الملكية العامة. تساعدنا هذه النقطة على تجاوز تفسير الظاهرة بالجهل وحده. فالجهل عامل محتمل، لكنه لا يفسر لماذا يتجه السلوك العدواني نحو هدف بعينه. نحن أمام سؤال يتعلق بالانتماء والمسؤولية والثقة والحدود التي تفصل الخاص عن العام في الوعي الاجتماعي.
الظل اليونغي والحجر الذي نرميه على الآخر
يعد مفهوم "الظل" من أكثر مفاهيم يونغ فائدة في قراءة هذه الظاهرة. يشير الظل، بصورة مبسطة، إلى الجوانب التي يرفض الفرد الاعتراف بها في نفسه أو يحاول إبعادها عن صورته الواعية عن ذاته. وقد تظهر هذه العناصر في صورة إسقاط على الآخرين أو في سلوك يجد داخل الجماعة فرصة للتعبير. إذا نقلنا المفهوم بحذر من الفرد إلى المجال الاجتماعي، يصبح رجم القطار مناسبة لظهور عناصر مكبوتة من الغضب والرفض والرغبة في التحدي. الطفل أو الشاب الذي يقذف حجراً ثم يهرب قد يشعر، للحظات، بأنه امتلك سلطة على شيء أكبر منه. القطار ضخم وسريع ومنظم، أما الفاعل فلا يملك تجاهه سوى حجر صغير. ومع ذلك يستطيع ذلك الحجر أن يحدث صوتاً، أو يكسر زجاجاً، أو يثير الخوف، ثم يمنح صاحبه شعوراً عابراً بالتأثير. هنا تتحول المسألة من عبث إلى علاقة نفسية مختلة بالقوة. حين يعجز الفرد عن الشعور بقيمته من خلال الإنجاز أو المشاركة أو المسؤولية، قد يبحث عن صورة مشوهة من إثبات الذات عبر التخريب. لا يعني هذا أن كل مخرب يعاني البنية النفسية نفسها، لكنه يقدم فرضية تفسيرية لفهم بعض الحالات. ومن منظور يونغي، تكمن المشكلة الأخطر عندما توفر الجماعة غطاء لهذا "الظل". فالطفل الذي يرمي القطار أمام أقرانه قد لا يتصرف بالطريقة نفسها إذا كان منفرداً. ضحكات المجموعة وتشجيعها وصمت الكبار تحول الفعل الفردي إلى طقس صغير لإثبات الجرأة. وعندها يتراجع الضمير الفردي أمام سيكولوجيا الجماعة.
حين يصبح التخريب بطولة صغيرة
ثمة فرق نفسي مهم بين ارتكاب فعل والشعور بالخجل منه، وبين ارتكابه ثم تحويله إلى مصدر للتفاخر. في الحالة الثانية تتغير منظومة القيم داخل المجموعة الصغيرة. يصبح من يجرؤ على الرمي "شجاعاً"، بينما يصبح الممتنع موضع سخرية. وهنا تنقلب المعايير. كان يونغ شديد الاهتمام بما يحدث للفرد حين تبتلعه الجماعة. فالشخص داخل الحشد ليس دائماً الشخص نفسه عندما يكون منفرداً. الجماعة تخفض أحياناً الإحساس بالمسؤولية، لأنها توزع الذنب على الجميع. "كلهم يفعلون ذلك" تصبح آلية نفسية لتخفيف الشعور بالخطأ. ومن هنا نفهم خطورة التسامح مع رجم القطارات. المسألة ليست قيمة نافذة مكسورة، بل قابلية السلوك للتحول إلى عادة اجتماعية. يبدأ الأمر بحجر، ثم يصبح الاعتداء على المال العام أمراً عادياً، ثم تتسع الحدود بين المسموح والمرفوض. عندما لا يواجه الطفل أو الشاب اعتراضاً من الأسرة والمدرسة والمجتمع والقانون، يتعلم درساً غير مكتوب: المجال العام بلا صاحب. وهنا تكتسب عبارة "من أمن العقاب أساء الأدب" بعداً نفسياً واجتماعياً. العقاب القانوني ليس انتقاماً، بل رسم للحدود. الإنسان يتعلم منذ طفولته أن الحرية تعمل داخل حدود تحمي الآخرين. وإذا اختفت الحدود باستمرار، يصبح اختبارها سلوكاً متوقعاً لدى بعض الأفراد.
الدولة والردع واستعادة معنى الملكية العامة
لكن القانون وحده لا يقدم تفسيراً كاملاً ولا علاجاً كاملاً. تستطيع الشرطة أن تمنع شخصاً من رمي حجر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل القطار جزءاً من شعوره بالمواطنة. هنا ينبغي الجمع بين الردع والتربية. تحتاج الدولة إلى تطبيق القانون بوضوح على من يعرّض سلامة الركاب والعاملين للخطر أو يتلف الممتلكات العامة، مع مراعاة السن والمسؤولية القانونية. لكن المجتمع يحتاج، في الوقت نفسه، إلى إعادة تعريف الملكية العامة في وعي أفراده. القطار ليس ملكاً لحكومة عابرة. إنه مال عام دفع المجتمع تكلفته، ويستخدمه الناس، ويحتاج إصلاحه إلى أموال كان يمكن أن تذهب إلى خدمة أخرى. ومن منظور يونغ، لا يكفي قمع "الظل". المطلوب التعرف إليه وإدماجه في الشخصية الواعية. وبالمعنى الاجتماعي، لا يكفي أن نقول للشاب: لا ترم القطار. ينبغي أن نسأله أيضاً: لماذا ترى تخريب الممتلكات العامة أمراً لا يمسك شخصياً؟ لماذا لا ترى نفسك مالكاً لحصة رمزية في هذا القطار؟ ولماذا يصبح إحداث الضرر مصدراً للمتعة أو إثبات الذات؟ تبدأ الإجابة من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الحي، ثم الإعلام، وتنتهي عند الدولة والقانون. فالمجتمع الذي يريد حماية قطاراته لا يضع شرطياً عند كل متر من السكة، بل ينتج مواطناً يرى الحجر في يده قبل أن يرميه باعتباره اعتداء على حقه وحق الآخرين. إن صورة عراقي يرجم قطاراً عراقياً تستحق التأمل لأنها تكثف أزمة أوسع في العلاقة بين الفرد والمجال العام. الحجر هنا صغير، لكن معناه كبير. إنه يكشف، في بعض الحالات، عن غضب بلا قناة، وعن رغبة في إثبات الذات بلا إنجاز، وعن ضعف الشعور بملكية المجال العام، وعن جماعة تستطيع منح السلوك الخاطئ شرعية مؤقتة، وعن دولة تحتاج إلى استعادة حضور القانون بوصفه قاعدة عامة لا استعراضاً للقوة.
السؤال إذن ليس: لماذا يرجم العراقيون القطار؟ فهذه الصيغة تعمم سلوك فئة محدودة على مجتمع كامل. السؤال الأدق هو: ما الذي يجعل بعض العراقيين يرجمون قطارهم؟ عند هذه النقطة يمنحنا يونغ إجابة تستحق التفكير. المجتمع، مثل الفرد، لا يتعافى بإنكار ظله. يبدأ التصحيح عندما يتعرف إلى ذلك الظل، ويفهم مصادره، ويمنعه من قيادة السلوك. إن الحجر الذي يصيب نافذة القطار لا يكسر الزجاج وحده، بل يكشف شرخاً في معنى المسؤولية العامة. وإصلاح الزجاج مهمة فنية سهلة نسبياً، أما إصلاح ذلك الشرخ فيحتاج إلى أسرة ومدرسة ومجتمع وقانون ودولة تعيد للمواطن معنى أن يقول عن القطار والشارع والحديقة والمدرسة: هذه ممتلكاتنا، ومن يرجمها إنما يرجم جزءاً من حقنا المشترك.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القوات الحكومية اليمنية تغير قواعد المواجهة ضد الحوثيين
.. نافذة تحليلية | خطة ترمب لغزة بين التشدد الإسرائيلي والضغوط
.. نشرة إخبارية | سوريا ترد على رسالة نتنياهو من جبل الشيخ.. وت
.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا
.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية