الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 8 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


مقدمة/ في فلسفة التحولات الإقليمية:
في لحظات التحول الكبرى، لا تعلن الأنظمة الإقليمية نهاية عهدها ببيان رسمي، ولا تولد التوازنات الجديدة دائماً عبر مؤتمرات تحمل عناوين تاريخية براقة. الحقيقة الجيوسياسية الثابتة تشير إلى أن التغيرات الهيكلية تبدأ عندما تعيد الدول المحورية تعريف مصالحها العليا، وتُعيد صياغة(عقيدة الردع) الخاصة بها قبل أن تتطابق المفاهيم السياسية مع الواقع الجديد.
من هذه الزاوية تحديداً، تتجاوز (اتفاقية مكة) كونها مجرد ترتيب أمني أو تفاهم دبلوماسي عابر بين أطراف إقليمية، وإنها تُقرأ بوصفها تكثيفاً استراتيجياً للحظة فارقة تضع الشرق الأوسط أمام سؤال مهم هو : (هل يطوي الإقليم رسمياً الحقبة التي تشكلت أعقاب عام 1979، ليبدأ بناء نظام إقليمي قائم على منطق الدولة والردع الذاتي بدلاً من منطق الأيديولوجيا والوكالة؟)

أولاً/ بيئة المرحلة في 1979 والصراع بين مشروعين عابرين للحدود، ولتفكيك التحول الراهن لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية للنظام الذي احتكم له الإقليم لأكثر من أربعة عقود.
تمثل عام 1979 باختراق جيو-أيديولوجي مزدوج أنتج مشروعين متنافسين، كلاهما سعى لتجاوز جغرافيا (الدولة الوطنية):
▪المشروع الأيديولوجي الثوري (إيران1979):
تأسس عقب الثورة الإيرانية عام 1979، متخذاً من دمج (العقيدة بالجغرافيا) أداة للتمدد. واعتمد هذا النموذج استراتيجياً على ثلاثية:
أ- تصدير الثورة.
ب- الاستثمار في الفراغات السيادية للدول الهشة
ج- تأسيس شبكات وفاعلين من غير الدول ليصبحوا أدوات ردع متقدمة خارج الحدود الإيرانية.

▪المشروع القومي الراديكالي (عراق 1979):
بالتزامن المطلق في عام 1979، صعد إلى سدة الحكم المطلق في بغداد مشروع قومي بعثي، اختزل مفهوم الأمن القومي العربي في (حراسة البوابة الشرقية). سعى هذا المشروع لتقديم القوة العسكرية المباشرة للدولة العراقية كحائط صد صلب ضد التمدد الإيراني، مما أدخل المنطقة في مواجهة جبهوية مباشرة (1980–1988).

النقطة الحاكمة في ذلك النظام:
في ظل تصادم هذين المشروعين العابرين للحدود، اعتمد بقية الإقليم بالكامل على (المظلة الأمنية الخارجية للولايات المتحدة بشكل أساسي) لتجسير الاختلال في ميزان القوى. أدى ذلك إلى ارتهان أمني إقليمي مستدام وتأجيل لبناء بنية دفاعية إقليمية مستقلة.

ثانياً/ انكسار مرحلة 2003 والفراغ الاستراتيجي الكبير:
شكل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة التحول الثانية. أدى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية إلى:
انهيار جدار الصد القومي الذي شكل ميزان الردع المباشر طوال عقود.
أ- بروز الفراغ السيادي: تحول العراق من فاعل إقليمي صلب إلى (ساحة جيو-سياسية مفتوحة).

ب- سيادة نموذج الوكالة: تمدد المشروع الأيديولوجي الإيراني ليمتلك نفوذاً عابراً للحدود في (بغداد ، دمشق، بيروت، وصنعاء) مستغلاً ضعف المؤسسات الوطنية وتراجع مفهوم الحوكمة لصالح المليشيات.
لكن العقدين التاليين أثبتا تعثر هذا النموذج، إذ أدخل المنطقة في حالة (نزيف استراتيجي دائم) وحول القوة العسكرية غير الرسمية إلى عبىء على التنمية، مما أوصل الإقليم إلى قناعة حتمية وهي (إن الفاعلين من غير الدول يقدرون على صناعة الأزمات، لكنهم عاجزون تماماً عن بناء نموذج استقرار مستدام.)

ثالثاً/ (اتفاقية مكة): وصعود التكتل الجيواستراتيجي الثالث
في لحظة انكفاء أمني غربي، وتقلب في الضمانات الأمريكية، وتراجع فاعلية أداة (الوكلاء) تأتي اتفاقية مكة بين (السعودية، تركيا، وباكستان) لتعلن ميلاد مشروع إقليمي ثالث يختلف جذرياً عن عقيدة ما بعد 1979.
هذا التحالف لا يستند إلى أيديولوجيا حصرية ولا إلى قومية متطرفة، بل يمثل (واقعية دفاعية مركّبة) تؤسس لردع متعدد الطبقات تتوزع فيه أضلاع التحالف وظيفياً كالتالي:

▪الضلع الأول: السعودية (الطبقة الاقتصادية والسياسية):
توفير المركزية المالية والثقل الدبلوماسي العالمي والقيادة الاقتصادية الشاملة للإقليم، مع الرمزية الدينية والمكانة الجيوسياسية.

▪الضلع الثاني: تركيا (الطبقة التصنيعية والعسكرية الميدانية):
تقديم التفوق التقني في الصناعات الدفاعية والخبرة القتالية والتنفيذية الميدانية وتوفير مظلة ارتكاز ترتبط بعضوية الناتو.

▪الضلع الثالث: باكستان (الطبقة الردعية المتقدمة):
إدخال المظلة النووية والعسكرية البشرية الضخمة لإنشاء معادلة ردع نهائية تحمي كافة أضلاع التحالف من التهديدات العابرة.

التحول الجوهري: تحول هذا المثلث من (المنافسة البيئية على النفوذ) إلى (الإدارة الاستراتيجية المشتركة للإقليم). الاتفاق ينص ضمنياً على استبدال المظلات الأمنية المستوردة بـبنية ردع ذاتية مكتفية.

رابعاً/ العراق والنظام الجديد:
يبقى الاختبار التشغيلي والأكثر تعقيداً لهذه التحولات متمثلاً في العراق.
العراق ليس مجرد جغرافيا ضمن الصراع، بل هو المُختبَر الجيوسياسي الأول:

▪المعادلة القديمة: بقاء العراق ساحة لنفوذ الشبكات العابرة للحدود يعني أن نظام 1979 لا يزال يعيد إنتاج نفسه بأدوات مطورة.

▪المعادلة الجديدة: نجاح بغداد في تحويل موقعها الجغرافي من (ساحة تصفية حسابات) إلى (جسر توازن إقليمي) واستعادة سيادة القرار الوطني يُعد شرطاً مهماً لنجاح مشروع إعادة مركزية الدولة الوطنية.
لأنه تتقاطع مصالح تحالف مكة مع استقرار العراق، فالردع متعدد الطبقات يحتاج إلى ثغرات أمنية أقل في جدار المنطقة، واستعادة العراق لعافيته المؤسسية تغلق الفراغ الاستراتيجي الذي تغذت عليه مشاريع الفوضى.

ختاماً/قواعد اللعبة الجديدة، وإن القول بنهاية النظام الذي ولد عام 1979 يتطلب حذراً تحليلياً، فالقوى التي بنت نفوذها الهيكلي على مدى 40 عاماً لن تتوارى لمجرد تغير الظروف. لكن المؤكد أن (البيئة الحاضنة) لأدواتها قد تغيرت دراماتيكياً.
ولم يعد السؤال المحوري في الشرق الأوسط اليوم هو:
من سينتصر في صراعات العقود الماضية؟، بل أصبح:
من يملك القدرة على بناء نموذج الدولة في الردع الذاتي المستقل واستقرار اقتصادي يُحدد قواعد المرحلة القادمة؟
وقد لا تكون اتفاقية مكة إعلاناً خطابياً عن ولادة هذا النظام الجديد، لكنها بالتأكيد اللحظة التي كشفت فيها القوة الإقليمية أن عقيدة ما بعد 1979 قد انتهت صلاحيتها الاستراتيجية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أمام اتهامات الدول.. كيف تتصرف غرف الأخبار؟ • فرانس 24


.. إسرائيل تفجّر -بنى تحتية- لحزب الله في تلة علي الطاهر بجنوب




.. اعتداءات 11 سبتمبر: عمدة نيويورك ينشر وثائق أخفتها السلطات ع


.. الجزائر.. نحو تفعيل عقوبة الإعدام؟ • فرانس 24 / FRANCE 24




.. مجلس الدفاع الوطني اليمني: قادرون على استعادة المبادرة العسك