الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . العراق، النهوض أو النهاية

عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)

2026 / 8 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


منذ البدء، حين كان العالم مسرحاً للَّهْو والغفلة، والغريزة البشرية هائمة في براري العتمة والتوحش، وقف السومريّ على ضفاف الرافدين الأزليين. لم يقف ليرتعت من عشب الأرض كبقية الكائنات، بل وقف وفي يده سرّ الإلهام؛ غرس في صدر الطين روحه ونبضه، فولد الحرف، وانبثق القانون، وخرج الإنسان من حيوانيته الأولى إلى بهائه الإنساني الأرفع. إن العراق لم يكن يوماً مجرد حدود خطتها الصدفة على الخارطة، بل كان ريشة الروح التي خطّت أول سطر في كتاب الوجود، ومنح الدنيا هويتها العاقلة.
لكن الوجود صارم في سننه، والتاريخ لا يحابي الغافلين؛ فأمام محكمة الزمن يقف كل شعب أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يظل ممسكاً بقلم الضياء ليصنع فجر غده، أو أن يستسلم لثقل الغبار فيطويه الرماد، ويُدفن حياً في دهاليز النسيان والإهمال. واليوم، يجد هذا المهد العظيم نفسه عند برزخ حرج ومصيري من عمره الدهري. إنه مخاض الروح العسير بين طريقين: إمّا نهوض كالعنقاء من لظى الرماد، أقوى شكيمة وأبهى طلعة مما كان، وإمّا استسلام مرير يستحيل معه الوطن أشلاءً مبعثرة، تتقاسمها مخالب الذئاب المتربصة خلف حدوده.
والمأساة الأعمق هنا لا تكمن في قسوة الأعداء، ولا في حدة مصالح الغرباء الذين يحيطون به من الشرق والشمال والجنوب؛ بل تكمن في تلك الغشاوة الكثيفة التي ضربت عقول الأبناء، وحجبت أبصارهم عن رؤية الحقيقة العارية. لقد نسجت يد الخديعة ثوباً من الوهم الطائفي، فارتداه المخذوعون في الساحات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. نسير في المتاهة وعيوننا مغمضة؛ فيطنّ ابن الجنوب أن الجار القادم من وراء المرتفعات الشرقية هو الحصن المنيع والدرع الذي يقيه عاديات الزمن، بينما يحسب ابن الشمال والغرب أن الأشقاء الأباعد أو الجار الشمالي هم الملاذ الآمن من أنياب التطرف والموت المتربص في العتمة. يا للأخديعة الكبرى التي صاغتها أصابع المصالح الإقليمية! إن هؤلاء الطامعين جميعاً - على اختلاف ألسنتهم، وتباين راياتهم، وتناقض شعاراتهم المرفوعة - يتلقون في خفاء النوايا وغرف السياسة المظلمة على ميثاق واحد غير مكتوب: أن يبقى العراق طريحاً، ينازع الروح دون أن يلفظها، معلقاً بين الحياة والموت. إنهم بحاجة إلى عراق لا يقوى على النهوض ولا يسقط في العدم؛ ليكون مجرد محفظة مالية تمتلك بالذهب والنفط لتمويل مشاريعهم، ومكباً واسعاً يلقون فيه بنفيائهم البشرية ومتطرفيهم ليحترقوا بعيداً عن ديارهم، وساحة فسيحة لتصريف حروبهم وصراعاتهم دون أن تهتز عواصمهم الآمنة. يريدون من شعب الرافدين أن يكون هو الوقود والمصدّ، والورقة الرخيصة التي يبتزون بها عواصم الغرب وأمريكا على طاولات القمار السياسي.
وفيما يشيد أولئك الجيران صروح تمدنهم ويصعدون في مدارج التطور، يتركون المهد الذي علّم العالم القراءة غارقاً في بئر من العتمة، ومحاصراً بأوحال التخلف والموت والظلام. إن الطائفة في جوهرها ليست عقيدة دينية، بل هي أفيون العقول وخمرة التخدير التي يحقن بها الطغاة جسد الأمة، لكي تستسلم لسرقة مقدراتها وتاريخها وهي تبتسم. لا يمكن لعمامة الغريب، ولا لعقال الشقيق، ولا لعسكر الأجنبي أن يصنعوا وطناً كرامته مصانة. إن الأوطان لا تُبنى بالاستجداء، بل بأيدي أبنائها حين يدركون أن مصيرهم واحد، كالنهرين اللذين تعانقا منذ الأزل ولا يملكان فكاكاً من بعضهما.
لقد حان الوقت لنفض هذا الرماد المستورد، والاستيقاظ من سبات التبعية، والعودة إلى نقاء الهوية الأولى الطاهرة. إن الوعي القومي والوطني هو القلم الوحيد القادر اليوم على خطّ فصل جديد من السيادة والحرية؛ لأن الأمة التي خطّت على لوح الطين أول فكرة للإنسانية، لا يمكن لها أن ترضى بأن تكون مجرد سطر مهمل أو هامش منسي في كتاب الآخرين. فلتكن العودة إلى الحرف الأول عودتنا إلى ذواتنا، ولنكتب معاً، بمداد طيننا ونبض أرواحنا، فجراً جديداً يليق بمهد الحضارة؛ فالنهر الذي صاغته يدُ الروح لا يجف، والحرف الذي ولد من رحم التراب لا يموت، بل ينتظر أيادٍ أمينةٍ تحفره من جديد على لوح القدر. العراق، النهوض أو النهاية. والنهوضُ يبدأ بحرفٍ يُكتب، لا بدمعةٍ تُذرف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بوتين وشي جينبينغ في الهند للمشاركة في قمة دول البريكس


.. الأردن في مرمى الصواريخ الإيرانية.. ما هي قدرة عمان على التح




.. الحوثيون يقتربون من باب المندب.. إلى أين تتجه المعارك؟ | #غر


.. الحوثيون يهددون باب المندب.. وترامب يرفض طلبا سعوديا بالتدخل




.. لبنان.. سكان صريفا يعودون إلى بلدتهم وينتظرون وعود إعادة الإ