الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ثنائية الفقه والإدارة: كيف سيُدار الانتقال الهادئ لمرجعية النجف في عصر التعددية.
مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Muhannad Al Madani)
2026 / 8 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
مقدمة: حتمية السؤال وتسطيح الطروحات السائدة
يحظى مستقبل المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف الأشرف، في مرحلة ما بعد رحيل السيد علي السيستاني، باهتمام بحثي واسع وترقب سياسي وإقليمي مكثف. فعلى مدى عقود، لم تكن المرجعية العليا مجرد مؤسسة دينية تقليدية، بل شكلت صمام أمان عابر للحدود، وقوة اعتدال حاسمة في تثبيت أركان الدولة والمجتمع العراقي وسط أعتى الأزمات.
ومع تقدم السيد السيستاني في السن، تقع أغلب التحليلات الغربية والإقليمية في اختزال ثنائي ضيق:
▪️الافتراض الأول: يرى حدوث (توريث مباشر للابن الأكبر السيد محمد رضا السيستاني) نتاج نفوذه الإداري والمؤسسي الطاغي.
▪️الافتراض الثاني: يرى الاستبعاد التام لأبناء السيد السيستاني تجنباً لوصمة التوريث وتأثيراً على مصداقية الحوزة.
تكمن المشكلة في أن كِلا الطرحين يغفلان الطبيعة الهيكلية العميقة للحوزة العلمية. وإن القراءة الأكثر التصاقاً بالواقع والممارسة التاريخية تُشير إلى مسار ثالث ومختلف كلياً: وهو (التحول نحو عصر التعددية المرجعية المدارة مؤسسياً) عبر تفكيك المرجعية إلى ثنائية عملية تجمع بين :-
(الغطاء الفقهي الشرعي والجهاز الإداري النافذ.)
1/ثنائية الفقه والإدارة:- تفكيك الأدوار لدى بيت السيد السيستاني لفهم الآليات وفي هذا الانتقال لا بد من تقييم المؤهلات العلمية والإدارية لنجلي السيد السيستاني، واللذين يعدان من أبرز أساتذة بحث الخارج وهو (المرحلة العليا في التعليم الحوزوي):
▪️السيد محمد باقر السيستاني (العمق الفقهي والفكر المعاصر):
يمتلك السيد محمد باقر أرشيفاً علمياً متيناً فقد نهل العلم من كبار مراجع عصره (والده والسيد أبو القاسم الخوئي). ويتميز درسهُ الأصولي بالعمق والمقبولية لدى النخبة الحوزوية. إلى جانب مؤلفاته التخصصية مثل (منار العروة الوثقى) يتميز باهتماماته الفكرية والاجتماعية المعاصرة من خلال كتب مثل (تجربتي مع الدين) و(رسالة المرأة في الحياة). هذا البروفايل العلمائي يجعله مؤهلاً للبروز المرجعي التدريجي دون صدام مع التقاليد.
▪️السيد محمد رضا السيستاني (الهندسة المؤسسية وإدارة الأزمات):
سلك الابن الأكبر مساراً يجمع بين الدرس الفقهي العالي والقدرة الاستثنائية على الإدارة واسعة النطاق. وبرز دوره القيادي كمدير تنفيذي واقعي لمكاتب المرجعية العليا منذ عام 2003، مخضباً بخبرة عميقة في التفاعل مع مؤسسات الدولة والكتل السياسية والوفود الدولية وإدارة أموال الشريعة وشبكات الوكلاء.
2/عقبة (التوريث) ومعيار الأعلمية الصارم:-
رغم الميزة العلمية لنجلي السيد السيستاني، والميزة العمرية مقارنة بغيرهما من كبار العلماء (حيث يصغرانهما بنحو عقدين)، تظل هناك عقبة تاريخية وهيكلية وهي:
(المرجعية لا تُورث).
يقوم نظام المرجعية بالكامل على مفهوم (الأعلمية) وهي مرتبة لا تُمنح بقرار إداري ولا تُورث نسبياً، بل تُثبت عبر:
الشياع الواسع والانتشار الطبيعي لذكر الفقيه بين الفضلاء.
يعني شهادة (أهل الخبرة) من كبار المدرسين والعلماء.
بناءً على ذلك، فإن أي مسعى مكشوف لفرض خلافة وراثية مباشرة سيهدم الشرعية التاريخية للمؤسسة. من هنا تبرز حنكة (التفويض الاستراتيجي): حيث يمكن للسيد محمد رضا توجيه الدعم اللوجستي والمؤسسي نحو مرجع مسن يحظى باحترام واسع (كالشيخ محمد باقر الإيرواني أو الشيخ محمد هادي آل راضي) لتمرير المرحلة الانتقالية الأولى، مع إفساح المجال كاملاً لأخيه السيد محمد باقر لبناء سلطته الفقهية بهدوء في أروقة البحث العلمي.
3/التباين الهيكلي: النجف الأشرف مقابل طهران:-
يقع كثير من المراقبين في خطأ منهجي بخلط ديناميكيات النجف بالنموذج الإيراني، بينما تختلف المؤسستان تماماً في آليات الانتقال والعلاقة بالسلطة:
▪️من حيث آلية الانتقال:
أ- نموذج طهران (ولاية الفقيه): يعتمد على أطر دستورية وهيئات رسمية ومقننة مثل (مجلس خبراء القيادة).
ب- نموذج النجف الأشرف (المرجعية المستقلة): يعتمد حصراً على إجماع تدريجي وعفوي وتراكمي يبدأ من حلقات الدرس وشهادات أهل الخبرة.
▪️من حيث العلاقة بالسلطة والدولة:
أ- نموذج طهران: اندماج كامل ومباشر بين المؤسسة الدينية وهياكل الدولة الرسمية.
ب- نموذج النجف الأشرف: استقلال صارم وعميق عن السلطة السياسية ورعاية مسافة متساوية من الجميع.
▪️من حيث إمكانية هندسة الخلافة:
أ- نموذج طهران: تمكن هندسة الخلافة عبر توجيه مؤسسات النظام لضمان الاستقرار الاستراتيجي للبلاد.
ب- نموذج النجف الأشرف: تُعد هندسة الخلافة سياسياً أمراً مستحيلاً، لأن أي فرض خارجي أو سياسي يُفقد المرجع شرعيته ومقبوليته الشياعية فوراً.
4/ دروس التاريخ: سيناريو 1992 وعصر التعددية:-
إن غياب خليفة فردي مطلق فور وفاة السيد السيستاني ليس حالة طارئة، بل هو الأصل في تاريخ الحوزة. فبعد وفاة زعيم الحوزة السيد أبو القاسم الخوئي عام 1992، لم تتصاعد المرجعية العليا للسيد السيستاني بليلة وضحاها.
لقد شهدت تلك الفترة تعددية مرجعية بارزة بوجود علماء كبار مثل السيد عبد الأعلى السبزواري، والسيد محمد رضا الكلبايكاني، والشيخ محمد علي الأراكي. واستغرق السيد السيستاني نحو عامين لترسيخ مرجعيته الكاملة، بدعم محوري وهادئ من الجهاز الإداري والمؤسسي لبيت السيد الخوئي.
وهذا تماماً ما يُتوقع تكراره:
أ- توزّع أوزان التقليد في المرحلة الأولى بين عدة مراجع بارزين.
ب- استمرار الجهاز الإداري والمالي لبيت السيد السيستاني كعصب تشغيلي وضامن لاستقرار المؤسسات الخدمية والاجتماعية التابعة للمرجعية حول العالم.
ج- التشكل التدريجي للمرجعية العليا الجديدة بناءً على الكفاءة والتفاف القواعد الجماهيرية والحوزوية.
خاتمة: صيانة المنهج واستمرارية المؤسسة الدينية:
إن إدارة مرحلة ما بعد السيد علي السيستاني عبر (ثنائية الفقه والإدارة) لا تعني الالتفاف على التقاليد الحوزوية، بل تعني حمايتها. من خلال هذا الفصل الذكي بين الغطاء الشرعي الفقهي والكفاءة التشغيلية الإدارية، يضمن بيت السيد السيستاني تجنب مطبات التوريث السياسي، ويحمي الحوزة من الهزات الارتدادية أو محاولات الاستقطاب الداخلي والخارجي. إن قوة النجف الأشرف لم تكن يوماً في الفردانية المطلقة، بل في قدرتها التاريخية على التجدد الهادئ من الداخل واستيعاب التحولات الشديدة مع الحفاظ الصارم على جوهر الاستقلال والاعتدال.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. من فتوى تحريم القنبلة إلى خيار الردع النووي.. إلى أين تتجه إ
.. بودكاست 10452 | الإعلامي والباحث المسيحي سركيس الدويهي
.. حملة اعتقالات بالضفة الغربية ومستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
.. الأديان الستة الصغرى في العالم الآن
.. شاهد.. أول ظهور للشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي عقب الإفراج