الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إنهاء الكفاح المسلح.. لا يعني نهاية القضية الكردية

ضيا اسكندر
كاتب

2026 / 8 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


لا شك أن مشروع القانون الإطاري الذي قُدّم إلى البرلمان التركي تحت اسم «قانون تعزيز الوحدة المجتمعية والدعم الوطني» لن يلبي طموحات حزب العمال الكردستاني ولا طموحات الشعب الكردي بعد أكثر من أربعين عاماً من الكفاح المسلح. فالمشروع ينشغل أساساً بتنظيم إنهاء الوجود التنظيمي للحزب ومنظومة المجتمع الكردستاني، والتحقق من إلقاء السلاح، ومعالجة الأوضاع القانونية للمقاتلين والملاحقين والمحكومين، فيما تبقى الحقوق السياسية والثقافية والقومية للكرد في تركيا خارج النص.
ومع ذلك، يمثّل المشروع خطوة مهمة في اتجاه الانتقال من مرحلة الحرب والكفاح المسلح إلى مرحلة جديدة تقوم على السياسة والعمل المدني. وهذا الانتقال يحمل أبعاداً كبيرة، من عودة آلاف المقاتلين من جبال قنديل إلى الحياة الطبيعية، إلى معالجة أوضاع السجناء والملاحقين، وصولاً إلى إنهاء الوجود العسكري والتنظيمي لحزبٍ عاش أكثر من أربعة عقود في ظل الصراع.

وبحسب البنود المعلنة، يتيح المشروع تعليق التحقيقات والمحاكمات والعقوبات لفترات محددة، ورفع بعض تدابير التوقيف والرقابة القضائية، ثم اعتبار العقوبة منفذة عند انقضاء مدة التعليق من دون ارتكاب جريمة جديدة. كما يضع آلية للتحقق من إنهاء الوجود التنظيمي وإلقاء السلاح، ويمنح الحكومة والبرلمان أدواراً في متابعة التنفيذ.
ويستثني المشروع جرائم القتل العمد والجرائم الكبرى، الأمر الذي يترك عدداً من القيادات التاريخية والملفات القضائية أمام معالجات دقيقة. ومن بين أكثر القضايا حساسية قضية مؤسس حزب العمال الكردستاني وأحد رموز القضية الكردية عبد الله أوجلان، فقد كان من المنتظر أن تفتح معالجة قضية «الحق في الأمل» الطريق أمام الإفراج عنه وانخراطه في الحياة السياسية، خصوصاً بعد دعوته في 27 شباط 2025 إلى حلّ الحزب وإنهاء الكفاح المسلح. وقد منحته هذه الدعوة موقعاً مركزياً في المسار الجديد، بوصفه صاحب المبادرة التي دفعت باتجاه الانتقال من الحرب إلى السياسة.
ومن هنا تطرح المرحلة الجديدة أسئلة مصيرية: هل سيكون لأوجلان دور فيها، أم سيبقى في العزلة؟ وكيف ستتعامل الدولة مع موقعه بعد أن أصبحت دعوته نقطة انطلاق للمسار الجديد؟ وماذا عن بقية القيادات الموجودة في قنديل والخارج؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكشف طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى استعداد الأطراف لبناء مسار سياسي مستقر.

والسؤال الأهم: ماذا بعد إلقاء السلاح؟
حمل حزب العمال الكردستاني السلاح طوال عقود في إطار صراع من أجل تحقيق حقوق الكرد. وستظل القضية الكردية حاضرة بعد انتهاء العمل المسلح، كما ستتواصل المطالب السياسية والثقافية والديمقراطية للكرد داخل الحياة السياسية التركية.
أما الاختبار الأصعب أمام المرحلة الجديدة فهو بناء الثقة. لقد بدأت عملية السلام في تركيا علناً عام 2013 وانتهت إلى الانهيار والتصعيد في 2015، وتركت تلك التجربة إرثاً ثقيلاً من الشكوك والمخاوف. لذلك تحتاج العملية الحالية إلى ضمانات قانونية وسياسية وآليات تنفيذ ورقابة توفر الاستقرار المطلوب وتحمي المسار من الانتكاس.
ويضاف إلى ذلك عامل داخلي تركي شديد التأثير. فقد ظلت القضية الكردية لعقود مرتبطة في الوعي السياسي التركي بمفهوم الأمن القومي والصراع مع حزب العمال الكردستاني، فيما تنظر تيارات قومية إلى أي تسوية من زاوية وحدة الدولة ومخاوف تفككها؛ لذلك تحتاج الحكومة إلى إدارة سياسية دقيقة للمرحلة، وشرح أهدافها للرأي العام، وربط إنهاء الصراع بتعزيز الاستقرار والديمقراطية ووحدة البلاد.
ولا يمكن فهم هذه التحولات بعيداً عن المشهد الإقليمي المتغير. فقد أعادت حرب غزة، وسقوط النظام السوري السابق، والتطورات المتسارعة في شمال وشرق سوريا، والحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، إلى جانب التحولات في العراق وإقليم كردستان، رسم موازين القوى وأولويات الأطراف في المنطقة.

وأصبحت القضية الكردية جزءاً من معادلات إقليمية ودولية أوسع، تدفع مختلف القوى إلى إعادة حساباتها بشأن الصراعات القديمة وكلفتها وإمكانات الانتقال إلى مسارات جديدة.
وفي الداخل الكردي نفسه، توجد اتجاهات وأحزاب ورؤى متعددة تختلف في نظرتها إلى حزب العمال الكردستاني والدولة التركية وشكل الحقوق المطلوبة. لذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى مشاركة كردية أوسع، تضمن حضور مختلف القوى والتيارات في صياغة مستقبل القضية، وتمنح أي تسوية قاعدة اجتماعية وسياسية متينة.
وفي ظل هذا التنوع، يعود السؤال إلى الوسيلة التي يمكن أن تحمل القضية إلى أهدافها. فبعد أكثر من أربعين عاماً من الصراع، تبدو الحاجة إلى مراجعة جدوى الكفاح المسلح أكثر إلحاحاً. ففي تقديري، وصلت هذه المرحلة إلى حدودها السياسية، ولم يعد استمرار الكفاح المسلح قادراً على تحقيق ما هو أبعد مما حققه خلال العقود الماضية. وقد أدى دوراً تاريخياً في إبقاء القضية الكردية في صدارة الاهتمام التركي والإقليمي والدولي، وجعل تجاهلها أمراً بالغ الصعوبة. كما أن التضحيات الكبيرة التي قدمها حزب العمال الكردستاني وأنصاره شكلت جزءاً من تاريخ هذه القضية، ومن حقها أن تُقدّر.

لكن التاريخ السياسي للحركات والقضايا الكبرى يعرف لحظات يصبح فيها تغيير الأدوات ضرورة. والحركة التي تنجح في قراءة الواقع تعرف متى تنتقل من الجبل إلى البرلمان، ومن البندقية إلى طاولة السياسة، ومن فرض حضور القضية إلى تحويل هذا الحضور إلى حقوق ومؤسسات.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى التفاوض والصبر وبناء التحالفات، وإلى تحويل الإرث النضالي المتراكم خلال العقود الماضية إلى حقوق ومكاسب سياسية وقانونية راسخة. وهذا يتطلب من القوى الكردية دخول الحياة العامة بذاكرة سياسية واعية، واستثمار المساحة التي تتيحها المؤسسات الديمقراطية، والمطالبة بضمانات واضحة تحمي ما يتحقق.
وفي الجانب التركي، تحتاج الدولة إلى رؤية أوسع للسلام، تبدأ بإنهاء السلاح وتمتد إلى معالجة الأسباب السياسية التي أنتجت الصراع، وتوسيع مساحة المشاركة والحريات والمساواة في المواطنة. فاستقرار المرحلة الجديدة يرتبط بقدرة المؤسسات على حماية الحقوق وتحويل التسوية من تفاهم مؤقت إلى مسار سياسي قابل للاستمرار.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لـ«قانون تعزيز الوحدة المجتمعية والدعم الوطني». فالنص القانوني يمكن أن ينظم إنهاء الكفاح المسلح ومعالجة آثاره، فيما تبقى تسوية القضية الكردية مساراً أوسع يحتاج إلى خطوات لاحقة من جميع الأطراف.
لقد قدّم حزب العمال الكردستاني وأنصاره تضحيات هائلة خلال أكثر من أربعين عاماً، وأفضل تكريم لهذه التضحيات أن تتحول إلى قوة سياسية وحقوق ثابتة، وأن تحصل الأجيال المقبلة على فرصة لخوض نضالها في ميدان السياسة والمؤسسات.
وطالما بقيت المطالب الكردية العادلة من دون حلول، سيبقى النضال مستمراً بأشكال مختلفة. وربما تكمن اللحظة الفارقة اليوم في امتلاك الحكمة السياسية للانتقال من مرحلة فرض القضية إلى مرحلة تحقيق مطالبها.
فإنهاء الكفاح المسلح يطوي صفحة طويلة ومؤلمة من تاريخ القضية الكردية، ويفتح صفحة أكثر صعوبة: اختبار قدرة السياسة على تحقيق ما عجز السلاح عن تحقيقه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قطيعة الجزائر والإمارات.. خلاف عابر أم صدام إقليمي؟ | مسائي


.. هل أصبح الحوثيون قادرين على إعاقة الملاحة في باب المندب بمدف




.. الجزيرة ترصد تداعيات الحرب على التجارة في جزر مضيق هرمز


.. هل تنجح بريطانيا في الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان؟




.. ما وراء الخبر | تقييم 25 عاما من -الحرب الأمريكية على الإرها