الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
مظهر محمد صالح
2026 / 8 / 10المجتمع المدني
نعم سيدتي، ما يزال التفاوت الطبقي في العراق صارخًا إلى حدّ يوجع الذاكرة.
قبل أعوام، استوقفني تاريخ صعود الطبقة الوسطى العراقية وهبوطها، فكتبت يومها ست حلقات عن مسار هذه الطبقة ونشرتها على موقع «الحوار المتمدن». كنت أبحث في سيرة طبقة وُلدنا في فضائها أحرارًا، لم تكن طبقة مترفة، لكنها كانت تمتلك ما هو أثمن من الثراء: الكرامة، والتعليم، والعمل، والقدرة على الحلم.
كانت الطبقة الوسطى تقول لنا، ببساطة، إن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله بعمله، وأن الشهادة يمكن أن تفتح بابًا، وأن الوظيفة تمنح صاحبها حياة محترمة، وأن البيت الذي يبنيه الأب يمكن أن يكون بداية أفضل لأبنائه.
ثم بدأ كل ذلك يتشقق.
في عام 2011، وفي إسطنبول، جمعني إفطار رمضاني بالراحلة زها حديد. دار الحديث حول الطبقة الوسطى العراقية، وكيف أمكن لبلد كان يمتلك طبقة مهنية وتعليمية واسعة أن يدفع بها، خلال عقود قليلة، إلى حافة العوز.
تحدثت زها عن عائلة عراقية وظيفية كانت تقضي صيفها بين بيروت ولندن، ثم جاءت سنوات الحصار لتقلب حياتها رأسًا على عقب ، عائلة انتهت إلى بيع مدفأة الشتاء كي تشتري بثمنها ما يسد رمقها.
كنت أستمع إليها، لكنني لم أكن أسمع قصة عائلة أخرى.
كنت أسمع شيئًا من حياتي.
فأنا أيضًا بعت، في تلك الأيام من «الحرب الخرساء»، مدفأة يابانية حديثة. لم تكن المدفأة بالنسبة إليّ مجرد جهاز منزلي. كانت قطعة من حياة كنا نظن أنها مستقرة، ومن عالم كنا نعتقد أنه سيبقى معنا.
بعتها كي نسد رمقنا، أنا وأطفالي الخمسة.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد المدفأة في ذاكرتي مدفأة.
صارت شاهدًا.
شاهدًا على طبقة اجتماعية كانت تنحدر درجة بعد أخرى، وهي تحمل معها كتبها وشهاداتها ومهنتها وذكرياتها وأثاث بيوتها، حتى لم يبقَ لديها ما تبيعه سوى صبرها.
كانت تلك سنوات الحصار، سنوات لا تحتاج إلى مدافع كي تصنع الخراب. كان الخراب يدخل البيوت مع ارتفاع الأسعار، ويجلس إلى مائدة العائلة، ويشارك الأطفال خبزهم، ويجعل الأب يحسب ما يمكن بيعه اليوم كي يستطيع شراء ما يحتاجه غدًا.
ولم نكن نعيش أزمة اقتصادية فحسب.
كنا نعيش اقتلاعًا اجتماعيًا بطيئًا.
فالفقير كان يزداد فقرًا، لكن الأخطر أن الموظف والمتعلم والطبيب والمهندس والمعلم وصاحب المهنة الحرة بدأوا يفقدون الاعتقاد القديم بأن العمل والكفاءة يمكن أن يصنعا حياة كريمة.
وهنا بدأت الطبقة الوسطى تفقد وظيفتها الاجتماعية قبل أن تفقد دخلها.
ثم انتهى الحصار.
وظننا أن الأسوأ قد انتهى.
لكننا اكتشفنا أن ميدوسا كانت قد خرجت من الأسطورة ودخلت الاقتصاد والمجتمع والسياسة.
ميدوسا العراقية ليست امرأة ذات شعر من الأفاعي ، إنها منظومة، كلما وقعت عينها على شيء حوّلته من قيمة عامة إلى غنيمة خاصة.
تحول الوطن إلى مورد.
والوظيفة إلى حصة.
والمؤسسة إلى ملكية.
والثروة العامة إلى ثروات خاصة.
والتعليم إلى سلعة.
والمدينة إلى عقار.
والمواطن إلى رقم في طابور طويل من الخاسرين.
أما الذهب، فلم يعد وسيلة للعيش ،صار غاية بذاته.
وهنا تصبح المفارقة العراقية أكثر قسوة:
الطبقة الوسطى كانت تبيع مدافئها كي تأكل، بينما كانت طبقة أخرى تبني ثروتها من بيع الوطن.
بين المدفأة والذهب يمكن اختصار جانب كبير من المأساة.
لم تكن الطبقة الوسطى تطلب ثراءً فاحشًا. كانت تريد فقط حياة عادية: راتبًا يكفي، بيتًا آمنًا، مدرسة جيدة لأبنائها، وشيخوخة لا تحتاج فيها إلى السؤال عن ثمن الدواء.
لكنها خسرت، بالتدريج، حتى هذا الحق البسيط.
وهنا لا تعود القضية مجرد تفاوت في الدخول.
إنها قضية تحول في طبيعة الاقتصاد نفسه.
فقد انتقلنا، على مدى عقود، من حلم اقتصاد يستطيع أن يصنع طبقة وسطى واسعة ومنتجة إلى اقتصاد تتسع فيه المسافة بين من يملك ومن لا يملك، ويصبح الريع والاستحواذ أقرب إلى طريق أسرع من العمل والإنتاج والكفاءة.
وهنا يمكن استعارة مفهوم اقتصادي معروف هو Beggar-thy-neighbor، «سياسة إفقار الجار»، ولكن بصورة داخلية أكثر قسوة: إفقار الجار داخل الوطن نفسه.
أن تتحسن حياة قلة، لا لأنها خلقت ثروة جديدة للمجتمع، بل لأنها استحوذت على نصيب أكبر من الثروة الموجودة أصلًا ، وأن يتسع رصيدها كلما ضاقت قدرة الأكثرية على الوصول إلى الموارد والفرص.
ذلك هو الاقتصاد حين يتحول من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد استخراج.
فالاقتصاد المنتج يخلق قيمة جديدة: مصنعًا، مدرسة، مستشفى، شركة، معرفة، وظيفة، ومهارة.
أما الاقتصاد الاستخراجي فيبحث أولًا عن السؤال الآخر: من يستطيع أن يضع يده على القيمة الموجودة أصلًا؟
ولهذا كان يمكن للعراق أن يبني اقتصادًا مختلفًا ،اقتصاد المنفعة المتبادلة، Mutual Gain، حيث يصبح نجاح الطبيب منفعة للمجتمع، ونجاح المعلم استثمارًا في المستقبل، ونجاح المهندس إضافة إلى الإنتاج، ونجاح المستثمر المنتج فرصة لخلق وظائف وثروة جديدة.
كان يمكن أن يصبح نجاح الفرد طريقًا إلى نجاح الجماعة.
لكن حين تنفصل الثروة عن الإنتاج، يصبح نجاح الفرد أحيانًا منفصلًا عن نجاح المجتمع، بل قد يتحول إلى نقيضه.
وهنا تعود ميدوسا.
فميدوسا الاقتصادية لا تكتفي بتحويل الأشياء إلى حجر ، إنها تحوّل المصلحة العامة إلى مصالح خاصة.
تحوّل العمل إلى وظيفة، والوظيفة إلى امتياز، والامتياز إلى نفوذ، والنفوذ إلى ثروة، والثروة إلى سلطة، ثم تعيد الدورة من جديد.
وفي هذه الدورة تحجّرت الطبقة الوسطى أمام أعيننا.
تحجرت أحلامها.
ثم بيوتها.
ثم قدرتها على الصعود.
ثم ثقتها بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي لم يعد:
من يملك المال؟
بل:
كيف صُنعت هذه الثروة؟ ومن دفع ثمنها؟
هل نبني ثروة يستطيع المجتمع كله أن يشارك في إنتاجها والانتفاع بها، أم ثروة لا تكبر إلا كلما اتسعت دائرة المحرومين منها؟
بين Beggar-thy-neighbor وMutual Gain تقع، في نهاية المطاف، مسافة تتجاوز الاقتصاد نفسه.
إنها المسافة بين اقتصاد يرى المجتمع مجموعة من الشركاء، واقتصاد يراه مجموعة من الفرائس.
وبينهما تقع حكاية الطبقة الوسطى العراقية.
طبقة لم تكن تبحث عن الذهب.
كانت تبحث عن حياة عادية.
كانت تريد أن تدفئ بيتها في الشتاء.
لكنها اضطرت إلى بيع المدفأة كي تعيش.
أما ميدوسا، فلم تكن تريد مدفأة.
كانت تريد كل شيء.
ولهذا لم يعد أخطر ما في الحكاية أن الطبقة الوسطى فقرت.
الأخطر أنها تحجّرت.
تحجرت أمام عيوننا، بينما ظل الذهب يتحرك في الجهة الأخرى.
وربما لهذا تبقى المدفأة التي بعتها قبل كل تلك السنوات، في ذاكرتي، أكثر صدقًا من كل المليارات التي تراكمت بعد ذلك.
فهي تروي ببساطة ما لا تستطيع الأرقام وحدها أن تقوله:
كان هناك وطنٌ يبيع فيه الناس مدافئهم كي يبقوا أحياء، بينما كان آخرون يراكمون الثروة حتى صار الوطن نفسه هو المدفأة التي احترق بها الجميع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مبان متصدعة وخيام مهترئة تضاعف معاناة النازحين في غزة
.. محكمة جرائم حرب كوسوفو تسجن الرئيس السابق هاشم ثاتشي 25 عاما
.. حصار منزل واعتقالات واقتحامات إسرائيلية في شمال الضفة الغربي
.. كيف تجاوزت الحرب الإسرائيلية على الضفة إلى مرحلة التطهير الع
.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر: هل يخرج الذكاء الاصطناعي عن ا