الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشماتة: جروح الدونية المكتومة

عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)

2026 / 8 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ما أتعس الإنسان عندما يكتشف أن كرامته، التي شيّدها بنزيف روحه، قد أصبحت فريسة سهلة تنهشها كائنات كانت بالأمس تزحف تحت ظلاله! إننا لا نسقط لأن الأيام غدارة فحسب، بل لأننا نحن – بأيدينا الساذجة – غرسنا خناجر حسن النية في صدورنا. هذا هو جلدي لذاتي، وهذه هي خطيئتي الوجودية الكبرى: لقد آمنت بالبشر في عالم لا يرحم إلا القساة، ومنحت الطمأنينة للئام كانوا يتحينون لحظة تعثري ليعلنوا نصرهم الزائف. كيف سمحت لقلبي أن يكون هشاً إلى هذا الحد؟ كيف تركت النبل يعميني عن رؤية الأنياب المستترة خلف الابتسامات الصفراء؟ إنني أقف اليوم أمام مرآة روحي المنكسرة، ألوم هذا النقاء الغبي الذي جعلني متاحاً للدهس، وأجلد هذا الكبرياء الذي لم يتوقع غدر الأيام وتواطؤ الأنذال.
وفي هذه العتمة الفادحة، حيث تتوارى الدنيا مدبرة، تخرج من جحور الغيرة والضغينة تلك الفئة من البشر: الجبناء الشامتون. إن الشماتة في عمقها السيكولوجي ليست مجرد تعبير عابر عن كراهية، بل هي اضطراب عاطفي مركب، وآلية دفاعية خسيسة يلجأ إليها العقل المشوه ليداري به عورته النفسية ونقصه المزمن. الشامت هو إنسان يعيش في جحيم داخلي من الدونية؛ إنه يرى في صعود العزيز إدانة صارخة لعجزه، ويرى في نبل الكريم مرآة تكشف خساسته. لذلك، عندما تسقط تلك القامة العظيمة بفعل تقلبات الأقدار، يتنفس الجبان الصعداء، ويشعر بنشوة هستيرية مؤقتة. إنه يفرح بسقوطك لا لأنه ارتفع، بل لأنه يتوهم للحظة واحدة أن الطين الذي يغرق فيه قد ابتلعك أيضاً، فأصبحتم متساوين في الوحل! يا لبؤس هذه اللذة المريضة التي تتغذى على جراح الآخرين.
يا هؤلاء الواهمون، يا من تقيمون مهرجانات التشفي على أطلال انكسارنا اليوم، لا تفرطوا في الوهم؛ فإن عيونكم العمياء لا ترى أبعد من لحظتكم الراهنة. إن العجلة الدوارة التي رمت بنا إلى قاع هذا الجحيم المؤقت، هي ذاتها التي تقذف بكم نحو قممكم الكرتونية الزائفة. الأيام لا تملك وجهاً ثابتاً، والدنيا التي ترفع اللئيم الحاذق اليوم لغاية سادية، ستخلعه غداً بلا رحمة. غداً، عندما تنقشع غيوم المأساة الحاضرة – والفرج يختبئ دائماً خلف الستائر الأكثر سواداً – ستتغير الأحوال، وتدور الدائرة الرهيبة، وتعودون كعهدكم القديم: فقراء منبوذين على أعتاب نبلنا، تتوسلون نظرة عطف طالما ترفعنا عن منعها، وتبحثون عن كسرة كرامة في بيوتنا بعد أن أكلت المجاعة أرواحكم الجائعة.
ولكن، تأملوا جيداً الفارق الأنطولوجي السحيق والشرخ الوجودي الذي يفصل بين طينتكم ونبعنا: عندما تجثون عند أعتابنا مستسلمين، وتجرون خيباتكم وراءكم، لن نجلد أرواحكم العارية بسياط السخرية، ولن نلوث طهر انتصارنا المتجدد بوحل شماتتكم الغابرة. في أوج انكساركم المذل، لن نكون قضاة قساة كأنفسكم، بل سنمد لكم هذه الأيدي ذاتها التي أدمتها سكاكين غدركم. سنجفف دموع الخزي الحارقة في عيونكم المنكسرة، ونربت على قلوبكم المرتجفة رعباً حتى تطمئن وتدرك أنها في مأمن من الانتقام. لن نهزأ بكم، ليس لأننا لا نشعر بالألم، بل لأننا نترفع عن النزول إلى مستنقعكم.
لماذا نصنع هذا؟ لأن كل إنسان في نهاية المطاف ينضح بما في أعماقه، ويعمل بمقتضى معدنه الأصيل. إن أعظم ما نملكه في هذا الوجود ليس مجداً زائلاً ولا سلطاناً مؤقتاً، بل هذا الأصل الطيب، وهذه القلوب التي رُغم أنها جُبلت على الحزن وسُحقت تحت أقدام اللؤم، إلا أنها ترفض أن تحملك غلاً أو ضغينة. نحن نحب، نعم نحب بغرابة تثير جنونكم، حتى تلك النفوس التي قهرتنا، وتلك الأيادي التي طعنتنا، وتلك الأقدام اللئيمة التي تقصدت وبكل خسة أن تدوس طهر كبريائنا بأسوأ أحذيتها وأكثرها قذارة. يكفينا هذا الفارق الهائل الذي يحدد مصير أرواحنا؛ أنتم تجدون مبرر وجودكم وحياتكم في موت الآخرين وانكسارهم، بينما نحن نجد حياتنا وخلاصنا الروحي في إحياء قلوب من أرادوا بكل جوارحهم موتنا وسقوطنا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يفاجئ زيلينسكي بطلب معقد بشأن روسيا.. تفاصيل مثيرة | #


.. نافذة من رام الله - اقتحام أكثر من 590 مستوطناً للأقصى وتأدي




.. المقابلة - هل انتهى زمن حل الدولتين؟


.. الذكاء الاصطناعي.. سباق عالمي يتسارع وسط مخاوف من مخاطره الم




.. العالم الليلة | جحيم من السماء يضرب معاقل الحوثيين ويدمر تحص