الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المعادلة الأمريكية المركبة في إدارة التوازن الإقليمي: بين تفوق إسرائيل ولعبة المحاور للشرق الأوسط.
مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Muhannad Al Madani)
2026 / 8 / 12
مواضيع وابحاث سياسية
تخطئ الكثير من القراءات الجيوسياسية حين تنظر إلى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية من منظور أحادي ليراها الباحث البسيط، إما تبعية مطلقة من واشنطن لضغط اللوبيات الداخلية، أو مجرد أداة إمبريالية تُحركها العاصمة الأمريكية بنقرة زر، أما الواقع الاستراتيجي المعقد يشير بخلاف ذلك تماماً،
إذ تُدار السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وفق عقيدة (التوازن المُركب والتوازن الخشن) وهي هندسة معقدة تقوم على إدارة المتناقضات، وضبط القوى، واستغلال الهويات،واستثمار الخصومات، مع منع أي طرف إقليمي—بمن فيهم إسرائيل نفسها، من حسم اللعبة أو الانفراد بالقرار السيادي للمنطقة.
1/ إدارة الصراع ومنع الحسم المطلق:-
تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية (الموازنة عن بُعد) في إدارة صراعات وتوزانات الشرق الأوسط، لمنع ظهور أي قوة هيمنة إقليمية تستطيع الاستغناء عن واشنطن أو التمرد عليها. ومن هذا المنطلق، فإن واشنطن لا تسعى بالضرورة إلى سحق الخصوم الإقليميين: مثل النظام الإيراني سحقاً كاملاً يترك فراغاً استراتيجياً مطلقاً.
فإن إنهاء إيران كلياً قد يفتح الباب أمام سيناريوهين أحلاهما مر بالنسبة للبنتاغون: إما فوضى عارمة لا يمكن التحكم بكلفها على الملاحة وأمن الطاقة، أو انفراد إسرائيلي كامل بالقرار العسكري والأمني في المنطقة. من هنا، تُفضل واشنطن سياسة (إضعاف الخصم وتقليم أظافره) دون إزالته كلياً من المعادلة، ليبقى حلفاء أمريكا التقليديين في حالة احتياج دائم للغطاء الأمني الأمريكي.
2/ استدامة الرادع الإيراني وصيانة أمن الطاقة:-
إلى جانب وظيفة إيران في موازنة إسرائيل، تسعى واشنطن صراحةً إلى الإبقاء على قوة إيرانية ذات قدرة ردعية وتدميرية كافية تجاه دول الخليج العربي. وهذا (التهديد المتربص) يُشكل المقوم الأساسي لمعادلة الحماية مقابل أمن الطاقة، إذ يمنع دول الخليج النفطية من الاستغناء عن المظلة الأمنية والعسكرية الأمريكية، أو اتخاذ قرارات مستقلة كلياً بشأن تسعير النفط وخطوط إمداده وضخ الاستثمارات.
فإن بقاء الخطر الإيراني قائماً وملموساً يضمن استمرار تدفق مئات المليارات في صفقات التسليح الغربية، ويثبت القواعد العسكرية الأمريكية على خطوط الملاحة والمضائق الحيوية (كمضيق هرمز)، مما يجعل أمريكا الحارس الفعلي لشرايين الطاقة العالمية، والمالك الحقيقي لمفتاح أمان اقتصاديات الخليج والعالم.
3/ إسرائيل بين الأصل الاستراتيجي وحدود الثقة:-
تمنح واشنطن إسرائيل تفوقاً عسكرياً نوعياً وتلتزم بأمنها، ليس فقط كالتزام سياسي، بل كأصل استراتيجي متقدم يُوفر للولايات المتحدة خدمات عملياتية واستخبارية نوعية بكلفة سياسية منخفضة. فإسرائيل تُعد مقاولاً للعمليات الخشنة، ومختبراً للتكنولوجيا العسكرية، ومجساً استخبارياً متعمقاً في البيئة الإقليمية.
ومع ذلك، تدرك وتحافظ المؤسسة الحاكمة في واشنطن على وجود خط فاصل بين (التفوق العسكري لإسرائيل بالمنطقة) و(الهيمنة السياسية المطلقة). ولا تثق أمريكا بإسرائيل ولا بأي حليف ثقة مطلقة تسمح له بالتحكم في مسار السياسة الخارجية الأمريكية، لذلك حرصت أمريكا على أن تكون قوة إسرائيل رادعة ومجهزة بالكامل، ولكن تبقى تحت سقف الإرادة الأمريكية العليا، منعاً للإنفراد بقرار الشرق الأوسط ومنعاً لأي صدام مستقبلي مع تل أبيب أو تورط أمريكي غير محسوب في حروب إقليمية واسعة.
4/ وظيفة مصدر الإزعاج وإدامة الحاجة للغطاء الأمريكي:-
تستفيد واشنطن استراتيجياً من الحالة الردعية المتأهبة والتصرفات الحادة لإسرائيل لترسيخ دورها كراعي أمني لا غنى عنه. فوجود إسرائيل كقوة ضاربة وغير متوقعة أحياناً يخلق بيئة أمنية ضاغطة على المحيط الإقليمي.
هذا الاضطراب المقنّن يدفع دول المنطقة للمحافظة على التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، باعتبارها الطرف الوحيد الضامن والقادر على ضبط الإيقاع الإسرائيلي وتوفير منظومات الدفاع المتطورة. وبذلك تحول واشنطن القلق الإقليمي إلى رافعة لتثبيت القواعد العسكرية، وعقد اتفاقيات الدفاع، وضمان عدم لجوء دول المنطقة إلى أقطاب دولية منافسة مثل (إيران أو الصين أو روسيا).
5/حارس البوابات لكبح القوى الإقليمية الكبرى:-
تُوظف واشنطن إسرائيل كـحارس بوابات يُحجم التمدد الجيوسياسي لثلاثة أقطاب تاريخية في المنطقة:
أ- القطب الإيراني: من خلال ضرب شبكات نفوذه وتفكيك أذرعه العسكرية لمنع قيام الممر القاري الممتد إلى طهران أو السيطرة على المنطقة من خلال مشروعها في تصدير الثورة.
ب- القطب التركي: عبر كبح الطموحات الإقليمية في شرق المتوسط، وخلق توازنات أمنية واقتصادية تمنع أنقرة من صياغة ترتيبات المنطقة بمفردها أو بناء مشروعها الإسلامي.
ج- القطب المصري: عبر الالتزام الصارم بمعادلة التفوق النوعي، مما يضمن بقاء القوة المصرية الكامنة بثقلها الديمغرافي والعسكري والتاريخي، ضمن حدود الدور الدبلوماسي وإدارة الأزمات، دون التحول إلى تهديد خطوط التجارة والنفوذ الغربي أو بناء مشروعها القومي في المنطقة.
6/ التخطيط للبدائل الجيوسياسية:-
ضمن حسابات الرقعة الشطرنجية، تضع واشنطن سيناريوهات للتحولات الهيكلية الكبرى، ففي حال سقوط نظام طهران أو تغير الخارطة الإيرانية، تدرك واشنطن أن ترك إسرائيل منفردة في الميدان سيفقد السياسة الأمريكية مرونتها.
وهنا تبرز الحاجة لتشجيع أو مراقبة ظهور مراكز ثقل إقليمية متوازنة مثل التحالفات المتنامية بين قوى إقليمية كبرى : (السعودية وتركيا وباكستان) بثقلها المالي والعسكري والنووي لتكون البديل الأمني والموازن الذي يملأ أي فراغ مفاجئ، ويمنع انفراد تل أبيب بقواعد اللعبة.
7/ العوامل الداخلية والأبعاد الثقافية:-
لا يمكن فصل هذه الهندسة الخارجية عن البيئة السياسية الداخلية للولايات المتحدة. فالتحالف مع إسرائيل يتغذى على امتداد مؤسسي وسياسي واقتصادي وتكنولوجي واسع تُمثله شبكات الضغط (اللوبيات) واليمين العقائدي والمصالح المشتركة في قطاعات التكنولوجيا والأمن السيبراني. هذا التداخل يجعل الدعم الأمريكي ممتداً وعميقاً، لكنه يُدار براغماتياً بحيث لا يتعارض مع الهدف الأسمى، وهو : (بقاء واشنطن المسيطر أو المايسترو الوحيد الذي يمسك بجميع خيوط اللعبة في الشرق الأوسط.)
ختاماً/ إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ليست مبنية على العواطف أو المساعدات أو الشراكات الدائمة، إنما على هندسة (التوازن المُركب والتوازن الخشن). وهي معادلة تُبقي إسرائيل متفوقة لكن غير مهيمنة، وتُبقي إيران رادعاً مدمراً لكن غير متحكم في أمن وسياسة المنطقة والممرات المائية لتضمن امريكا الهيمنة على ملف الطاقة، وتُبقي تركيا قوية لكن غير مسيطرة بشكل تام، وتبقي الخصوم ضعفاء لكن غير منتهين، وتُبقي الجيران محتاجين للمظلة الأمريكية ليبقى القرار النهائي لميزان القوى إقليمياً مرسوماً دائماً في واشنطن.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بوتين وشي جينبينغ في الهند للمشاركة في قمة دول البريكس
.. الأردن في مرمى الصواريخ الإيرانية.. ما هي قدرة عمان على التح
.. الحوثيون يقتربون من باب المندب.. إلى أين تتجه المعارك؟ | #غر
.. الحوثيون يهددون باب المندب.. وترامب يرفض طلبا سعوديا بالتدخل
.. لبنان.. سكان صريفا يعودون إلى بلدتهم وينتظرون وعود إعادة الإ