الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
مظهر محمد صالح
2026 / 8 / 14سيرة ذاتية
لم تكن جُبّة بالنسبة لي مجرد جزيرة خضراء تستريح في قلب الفرات، ولم يكن الشختور مجرد قارب يعبر بالناس من ضفة إلى أخرى… كانا معًا جزءًا من زمن جميل، ما زالت ألوانه تسكن الذاكرة، كلما مرّ طيف الفرات في خاطري.
كان ذلك في صيف العام 1959، حين كنت في ريعان الصبا، وقد حملتني العطلة الصيفية إلى بيت عمتي في أعالي الفرات، حيث كانت لها بساتين زراعية مميزة ورثتها عن زوجها في منطقة طلبلبية، على الضفة الأخرى من النهر.
كنت يومها أرى العالم بعين مختلفة؛ عين الصبي الذي يكتشف الأشياء للمرة الأولى، فيدهشه النهر، والبستان، والنخيل، ورائحة العنب، وثمار التفاح الأبيض التي كانت تتدلى من الأشجار في شهر آب، كأنها هدايا معلقة في حضن الصيف.
لكن أكثر ما كان يستهويني هو الشختور.
يا لذلك الشختور الذي ما زالت صورته تسكن ذاكرتي!
كان قاربًا عميقًا، عريضًا، يبلغ عرضه نحو ثلاثة أمتار وطوله قرابة ستة أمتار، ويمضي فوق مياه الفرات مربوطًا بسلك فولاذي مشدود بين الضفتين. وكان رجل من أهل القرية يتولى أمره، يمسك السلك بيديه ويجذب الشختور رويدًا رويدًا، حتى ينزلق فوق الماء، حاملاً الناس وأحمالهم، وأكياس الحبوب، وصناديق الفاكهة، وما تحمله أيدي الفلاحين من خيرات الأرض.
كان عبور الفرات يومها مغامرة صغيرة في نظر الصبي الذي كنته، وفرحًا لا يشبهه فرح.
كنت أراقب الماء، وأتابع حركة الشختور، وأشعر أنني أعبر إلى عالم آخر… عالم أكثر خضرة، وأكثر هدوءًا، وأقرب إلى القلب.
كانت جُبّة تبدو لي يومها كأنها لؤلؤة خضراء وسط الفرات؛ جزيرة كثيفة النخيل والبساتين، يحيط بها الماء من كل جانب، وتفوح منها رائحة الأرض والثمار.
وفي إحدى مرات العبور، رأيت مشهدًا لم يغادر ذاكرتي حتى اليوم.
كان قروي يسبح عكس تيار الفرات، متجهًا نحو جُبّة، وأمامه جِرْبة سوداء منفوخة من جلد الماعز، يستعين بها على السباحة ومقاومة التيار. بقيت أراقبه بدهشة ، فقد كان المشهد بالنسبة لي شيئًا من الحكايات القديمة، حيث الإنسان والنهر وجهًا لوجه، لا تفصل بينهما إلا شجاعة القلب وخبرة أهل المكان.
وفي جُبّة لم أكتفِ بالبساتين والنخيل والنهر، بل كانت لي فيها وقفة أخرى مع الذاكرة ،فقد رأيت آثار وبقايا المدرسة التي افتتحها والدي الراحل، ضمن جهود نشر التعليم وإشاعة المدارس في العراق في عشرينيات القرن الماضي.
وهناك، شعرت بأن للمكان ذاكرة تتجاوز الإنسان نفسه ، فالأب الذي رحل بقي شيء من أثره في مدرسة، وفي جدران، وفي قرية، وفي وجدان طفل جاء إليها بعد سنوات ليتلمس بعضًا من خطواته.
وحين حان وقت العودة، كان عليّ أن أعبر الفرات مرة أخرى، ولكن من جهة أخرى لا يتوافر فيها الشختور.
كان الفرات يومها أكثر هيبة، وكانت أمواجه تبدو لي عالية ومخيفة، والقوارب الصغيرة تكافح مياهه بعناد.
وما إن بلغت الضفة الغربية حتى كانت تنتظرني مفاجأة لا تزال تثير ابتسامتي كلما تذكرتها:
حمار أبيض وديع!
كانت عمتي قد رتبت أمر العودة ببساطة أهل الريف وكرمهم، فكان عليّ أن أمتطي ذلك الحمار، ونقطع الطريق عبر الهضاب الغربية، في رحلة استغرقت نحو ساعتين، حتى بلغنا منطقة البغدادي.
وما زلت أذكر الطريق… هدوء الهضاب، واتساع الأفق، وحرارة الصيف، وذلك الشعور الغريب بالسعادة الذي لا يعرفه إلا الصبا.
ثم بلغنا تجمعًا سكانيًا كان الناس فيه ينتظرون الحافلة القادمة من القرى والقصبات المنتشرة على ضفاف أعالي الفرات.
ركبنا الحافلة، وانحدرنا مع مجرى النهر عائدين إلى مدينتنا، بعد أيام قليلة من عطلة صيفية بدت يومها طويلة جدًا، وما زالت اليوم تبدو لي أجمل مما ينبغي للزمن أن يسمح به.
وكان من أطرف أيام تلك الزيارة يوم تبرعت، مع بعض أقاربي، بالمساعدة في تسيير الشختور بين ضفتي الفرات.
كان يومًا مليئًا بالمزاح والضحكات، وبالمزارعين البسطاء الذين كانوا يحملون منتجاتهم إلى الأسواق، فيما كان الشختور يشق طريقه بين أمواج الفرات، ونحن نعيش فرحة صغيرة لم نكن ندرك أنها ستصبح، بعد عشرات السنين، واحدة من أجمل ذكريات العمر.
واليوم، بعد أن ابتعدت السنوات، لم يعد الشختور موجودًا في حياتي، وربما تغيرت جُبّة، وتبدلت البساتين، وغادر كثير من أولئك الناس الطيبين إلى رحاب الله…
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
كلما تذكرت الفرات، عاد إليّ ذلك الصبي الذي كنتُه.
أراه واقفًا على الشختور، يتطلع إلى الماء بدهشة، ويسمع صوت السلك وهو ينزلق تحت يد الرجل الذي يقود القارب، ويرى جُبّة تقترب منه ببطء، خضراء، وادعة، مغمورة بالنخيل والثمار.
وعندها أشعر أن الشختور لم يكن يعبر بي من ضفة إلى ضفة…
كان يعبر بي من العمر إلى العمر، ومن الحاضر إلى زمن الصبا.
وما أجمل أن يكون للإنسان مكانٌ إذا تذكره، عاد إليه صباه للحظات.
كانت جُبّة ذلك المكان.
وكان الفرات شاهدي.
أما الشختور… فما زال، إلى اليوم، يحملني في الذاكرة إلى أجمل ضفاف العمر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صومالي لاند تبدي استعدادها للمساهمة بـ2000 جندي في قوة الاست
.. 25 عاما على 11 سبتمبر.. كيف ساهمت حروب أميركا في تمدد إيران
.. نافذة من أمريكا | هل ما زالت تداعيات أحداث 11 سبتمبر تحكم وا
.. ما وراء الخبر - كيف استغلت إسرائيل والأنظمة مفهوم الإرهاب لـ
.. سياق الحدث | ما الذي تريده إيران من اجتماع عمان بشأن هرمز؟