الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين تنتصر الدولة على منطق السلطة
صفاء العطية التميمي
2026 / 8 / 14مواضيع وابحاث سياسية
المقال الحادي والعشرون
في المقال السابق خلصنا إلى أن أجهزة الدولة أهم من أجهزة السلطة، لأن السلطة تتبدل بتبدل الحكومات، بينما تبقى الدولة مسؤولة عن حماية المجتمع، وضمان سيادة القانون، وصيانة المصالح العليا للأمة. غير أن هذه النتيجة ليست خاتمة النقاش، بل هي بدايته الحقيقية؛ لأنها تقودنا إلى سؤال أكثر عمقاً: إذا كانت مؤسسات الدولة هي الأساس، فمن يحميها من أن تتحول إلى أدوات في صراع السلطة؟
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للدول. فالدولة لا تضعف لمجرد اختلاف القوى السياسية، ولا بسبب تداول الحكومات، ولا حتى نتيجة تبدل التحالفات، بل يبدأ الضعف عندما يصبح منطق السلطة هو الذي يوجّه مؤسسات الدولة، بدلاً من أن تكون الدولة هي التي تضبط ممارسة السلطة وفق الدستور والقانون.
في تلك اللحظة تتغير وظيفة المؤسسة العامة من خدمة المصلحة الوطنية إلى خدمة الحسابات السياسية، ويتراجع معيار الكفاءة أمام معيار الولاء، ويتحول القرار الإداري من رؤية استراتيجية طويلة الأمد إلى استجابة آنية لاعتبارات سياسية متغيرة. وهنا لا تكون الخسارة لحكومة أو حزب، وإنما للدولة نفسها.
فالسلطة، في جميع النظم السياسية، ضرورة لا غنى عنها، لكنها ليست الغاية التي وجدت الدولة من أجلها، وإنما وسيلة لتنظيم المجتمع وإدارة شؤونه وتحقيق الصالح العام. أما الدولة فهي الكيان الدائم الذي يحتضن الجميع، ويحفظ الحقوق، ويضمن استمرار المؤسسات عبر تعاقب الحكومات والأجيال.
وعندما تتحول الوسيلة إلى غاية، تبدأ الدولة بفقدان توازنها، لأن كل تغيير سياسي يصبح هزة تصيب بنيتها المؤسسية، وكل انتقال في السلطة يتحول إلى إعادة بناء لما كان ينبغي أن يبقى ثابتاً.
إن بناء الدولة لا يبدأ بإصدار القوانين وحدها، ولا بإنشاء المؤسسات بصورتها الشكلية، بل يبدأ عندما تكتسب تلك المؤسسات استقلالها المهني، وتعمل وفق معايير ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات أو التحالفات. فالمؤسسة التي تستمد قوتها من القانون تبقى، أما المؤسسة التي تستمد قوتها من النفوذ السياسي فإنها تضعف كلما تبدلت موازين السلطة.
ولهذا فإن الفارق بين الدولة المستقرة والدولة المضطربة لا يكمن في حجم الموارد أو كثرة الأجهزة، وإنما في طبيعة العلاقة بين الدولة والسلطة. فعندما تخضع السلطة لقواعد الدولة يصبح التداول السياسي وسيلة للاستقرار والتجديد، أما عندما تخضع الدولة لإرادة السلطة فإن كل انتقال سياسي يتحول إلى اختبار لقدرة المؤسسات على الصمود.
إن البرلمان، والقضاء، والإدارة العامة، والخدمة المدنية، وسائر مؤسسات الدولة، لا تؤدي رسالتها الحقيقية إلا عندما يكون ولاؤها للدستور والقانون، لا للأشخاص ولا للمصالح المؤقتة. وعندها فقط تصبح المؤسسات الضامن الحقيقي لاستمرار الدولة مهما تغيرت الحكومات أو تعاقبت القيادات.
ومن هنا فإن مسؤولية النخب السياسية والإدارية والفكرية لا تُقاس بعدد المناصب التي تتولاها، بل بقدرتها على أن تترك مؤسسات أقوى وأكثر كفاءة واستقلالاً مما كانت عليه قبل توليها المسؤولية. فالدول لا تُبنى بمن ينتصر في معركة السلطة، وإنما بمن يعزز قوة الدولة بعد انتهاء تلك المعركة.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي صنعت مكانتها لم تكن تبحث عن سلطة تدوم، بل عن دولة تستمر. ولهذا بقيت مؤسساتها راسخة رغم تغير الحكومات، لأنها قامت على الشرعية الدستورية والكفاءة المؤسسية، لا على الأشخاص أو الولاءات.
أما العراق، فإن فرصته التاريخية لا تكمن في تبديل الوجوه وحده، بل في ترسيخ مؤسسات قادرة على أداء وظائفها بثبات، بحيث يشعر المواطن أن حقوقه وعدالته وخدماته لا ترتبط بتغير الحكومات، وإنما تستند إلى دولة مستقرة تحكمها قواعد راسخة ومؤسسات محترفة.
لقد سعت هذه السلسلة، منذ بدايتها، إلى إعادة ترتيب الأولويات: من السلطة إلى الدولة، ومن الأشخاص إلى المؤسسات، ومن المكاسب الآنية إلى المشروع الوطني. واليوم، ونحن نقترب من محطتها الختامية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن أن ينجح مشروع الدولة إذا بقيت السلطة هي الغاية، أم أن بناء الدولة يبدأ عندما تصبح السلطة وسيلة لخدمة مشروع وطني أكبر منها؟
يتبع في المقال الثاني والعشرين: "الدولة أم السلطة... لحظة الاختيار"، حيث نقترب من الذروة الفكرية لهذه السلسلة قبل الوصول إلى محطتها الختامية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز
.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ
.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟
.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا
.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس