الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القرآن الكريم من الحذف الباريسى، الى التطويع الخليجى

حسن مدبولى

2026 / 8 / 17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لم تعد محاولات التأثير في صورة الإسلام ومصادره مقتصرة على نقد بعض الأحكام أو إعادة تفسيرها، بل انتقلت، في بعض مشاريعها، إلى مستوى أكثر خطورة يتمثل في السعي إلى تعديل النص القرآني نفسه، أو إعادة تأطيره، أو العبث بالرموز المرتبطة به؛ بما يفضي في النهاية إلى إنتاج قراءة دينية منسجمة مع تصورات سياسية وثقافية مسبقة. ومن هنا تكتسب هذه المحاولات أهميتها، لا باعتبارها وقائع متفرقة، بل بوصفها حلقات متصلة في مسار يستهدف نقل القرآن من كونه نصًا مرجعيًا حاكمًا إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة وفق مقتضيات اللحظة السياسية.

ففي أبريل عام 2018، نشرت صحيفة «لوباريزيان» الفرنسية بيانًا وقّع عليه نحو ثلاثمائة شخصية عامة، في مقدمتهم الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء السابق مانويل فالس. وطالب ذلك البيان بما سمّاه «مراجعة» بعض آيات القرآن الكريم وحذفها، بدعوى أنها تحرّض على العنف.
ولا تكمن خطورة هذه الدعوة في مضمونها المباشر فحسب، بل في المنهج الذي استندت إليه؛ إذ حاول أصحابها تمريرها من خلال قياس مضلل على التحولات اللاهوتية التي عرفتها المسيحية الغربية في علاقتها باليهودية، وكأن النصوص الدينية جميعًا قابلة للمعالجة التاريخية نفسها، وأن ما يجوز على نصوص خضعت عبر تاريخها لتدوينات بشرية ومراجعات كنسية،يمكن إسقاطه بنفس الطريقة على القرآن الكريم.
كما لم تكن تلك الدعوة الخبيثة إلى حذف آيات من القرآن الكريم تمثل اجتهادًا في التفسير، ولا مراجعةً في الفهم، بل تجاوزت ذلك إلى الطعن في أصل المرجعية القرآنية ومحاولة إخضاع النص لمعيار أجنبي معاد ،

المهم هنا أن «بيان باريس» هذا لم يكن واقعة منفردة أو شططًا فكريًا عابرًا؛ فقد سبقته، محاولات متعددة استهدفت تطويع المصحف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مثلا في سبعينيات القرن الماضي طُرح ما عُرف بمشروع مجمع الأديان الذى سبق فكرة الديانة الابراهيمية، و الذي كان يسعى إلى دمج الكتب السماوية في مجلد واحد، ومبنى دينى واحد بسيناء ، وقيل وقتها إن ضغوطًا أمريكية وصهيونية مورست في هذا الاتجاه على مصر. غير أن الموقف الحاسم الذي اتخذه شيخ الأزهر آنذاك، عبد الحليم محمود، حال دون تمرير المشروع؛ لأن جمع النصوص المقدسة في صيغة واحدة لا يمثل مجرد مبادرة طباعية، بل يطمس الفوارق العقدية والتشريعية بينها، ويحوّلها إلى مواد متجاورة قابلة لإعادة الترتيب والانتقاء.

ثم ظهرت، خلال الثمانينيات والتسعينيات، محاولات نسبت إلى جهات مختلفة لتمويل طباعة مصاحف تتضمن أخطاء متعمدة، سواء بالحذف أو التقديم والتأخير أو تغيير مواضع بعض الآيات. وقد تبدو هذه المحاولات محدودة الأثر أمام وحدة المصحف وانتشاره، لكنها كشفت عن نمط من الاستهداف يقوم على إحداث البلبلة وإرباك القارئ، ثم استثمار الخلافات الناتجة في التشكيك في سلامة النص وتاريخه. فالتلاعب الجزئي لا يستهدف دائمًا فرض نسخة بديلة مكتملة، بل قد يكتفي بإنتاج قدر من الاضطراب يفتح الباب أمام التشكيك مستقبلا في أصل الضبط القرآني.

وايضا عقب الغزو الأميركى للعراق عام 2003، صدر ما اطلق عليه اسم «الفرقان الجديد» وكان يتضمن مشروعا لنشر نص قرآني ( منقح) يُسقط آيات الجهاد والقتال والآيات المتصلة بالقدس واسرائيل ، في محاولة لإعادة تقديم القرآن داخل إطار سياسي يخدم رؤية محددة للصراع في المنطقة.ورغم الشعور العربى والاسلامى بمرارة الهزيمة وسقوط بغداد وقتها ، الا أن النموذج القرآنى المتأمرك سقط سقوطا ذريعا أيضا وانفضحت فكرته التى كانت تسعى لإعادة إنتاج القرآن الكريم في صورة مبتورة، تُبقي على ما يمكن توظيفه رمزيًا أو أخلاقيًا، وتحذف ما يزعج السرديات السياسية الصهيو أمريكية أو تناوئها .

أما في الوقت الراهن فتتخذ بعض التدخلات بُعدًا إقليميًا أكثر دقة، إذ لا يجري استهداف نص الآيات وحده، بل تمتد محاولات إعادة التشكيل فيما يبدو إلى أسماء السور وعناوينها والرموز المرتبطة بها.وهو مايتضح مما أثير من محاولات استبدال اسم «سورة الإسراء» باسم «بني إسرائيل» في بعض الطبعات الحديثة التي ترعاها جهات رسمية فى دويلة خليجية . وقد يبدو التغيير، للوهلة الأولى، مسألة لغوية أو خلافًا فرعيًا في تسمية السورة، ولا سيما أن العلماء ناقشوا مسألة توقيف أسماء السور، فذهب بعضهم إلى القول بتوقيفها، ورأى آخرون أن في بعضها مجالًا لاجتهاد الصحابة والعلماء. غير أن هذا النقاش العلمي لا يبرر التعامل مع الأسماء المستقرة في المصاحف والتداول الإسلامي بوصفها عناصر هامشية قابلة للتبديل بلا سياق أو دلالة، وفى اوقات مشبوهة وبرعاية متصهينة الدوافع ،
فاسم «سورة الإسراء» يحيل مباشرة إلى حادثة الإسراء، وإلى المسجد الأقصى بوصفه جزءًا أصيلًا من الذاكرة العقدية والتاريخية للمسلمين. أما استبداله بتسمية «بني إسرائيل»، فينقل مركز الثقل الدلالي من المعجزة والقداسة والارتباط بالمسجد الأقصى إلى هوية جماعة تاريخية معادية ، بما قد ينسجم مع محاولات تفكيك الرمزية الإسلامية للمكان وإعادة إدراجه داخل الرواية الصهيونية. ومن ثم فإن القضية لا تتعلق بالاسم في عزلة عن مضمونه، بل بالسؤال الأوسع: من يملك حق إعادة تعريف الرموز الدينية، وبأي أهداف، وتحت أي سلطة؟

إن الخطر الحقيقي لا يبدأ بالضرورة من تحريف الآية، بل قد يبدأ من تطبيع فكرة التغيير والتعديل ذاتها. فحين يُقبل حذف بعض الآيات بحجة مكافحة العنف، أو تُستبدل أسماء السور بدعوى التيسير اللغوي، أو يُعاد ترتيب الرموز الدينية بما يخدم رواية سياسية، يصبح الانتقال من الشكل إلى المضمون مسألة وقت وموازين قوة. والتاريخ يبين أن التغييرات الكبرى غالبًا ما تسبقها تغييرات صغيرة يُقدَّم كل منها على أنه إجراء فني أو لغوي أو إداري منفصل، بينما تتراكم آثارها لتعيد تشكيل الوعي العام بصورة تدريجية.

وعليه، فإن حماية القرآن لا تقتصر على التصدي للتحريف اللفظي المباشر، على أهميته، بل تشمل أيضًا حماية سياقه المرجعي، وأسماء سوره، ومواضع آياته، والرموز التاريخية والعقدية التي أسهمت في تشكيل وعي الأمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأديان الأربعة الكبرى في العالم


.. ما حقيقة العنف الطائفي والنظرة النمطية وتحديات الإسلام السيا




.. عبر الخريطة التفاعلية.. ما قصة رفات اليهود الذي تطالب إسرائي


.. كيف يمكن لتحالف عربي يهودي أن يحدد هوية رئيس الوزراء الإسرائ




.. عالقون بين جبهتين: كيف يعيش المسيحيون في البلدات اللبنانية ا