الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صناعة الأصنام الجزء الأول: كيف يُصنع الصنم؟
زيد علي الشمري
2026 / 8 / 28العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
أيها القارئ الذي يقرأ هذه الكلمات، لا أقصد بها شخصًا بعينه، ولا فئة، ولا طائفة، ولا دينًا. ما أريده أن نتوقف قليلًا لنسأل: كيف تُصنع الأصنام في مجتمعاتنا؟ وكيف تُسوَّق؟ وهل يمكن أن يكون أحدنا جزءًا من مؤسسة صناعة الأصنام من دون أن يدرك ذلك؟
الصنم في زماننا لم يعد بالضرورة مصنوعًا من حجر أو ذهب أو خشب. قد يكون إنسانًا من لحم ودم، أو فكرة، أو معتقدًا دينيًا أو قوميًّا أو اجتماعيًّا يتحول من مجرد اعتقاد إلى سلطة فوق النقد والمساءلة.
الصنم، حين يتحول إلى منظومة، لا يكتفي بوجوده؛ بل يسعى إلى طمس شخصية الفرد، وإعاقة نموه الفكري والإنساني، ونشر الأفكار المغلوطة والأساطير والأوهام والأباطيل التي لا تخضع للبحث أو المنطق. ومع مرور الوقت، يصبح الفرد يركض خلفها، لا لأنه مقتنع بها بالضرورة، بل لأنها قد تتحول إلى شرط أساسي للبقاء والحصول على القوت والمكانة والأمان.
الصنم لا يهتم كثيرًا بدرجة الفرد العلمية، ولا بتحصيله الثقافي، ولا بسمو أخلاقه وتقواه. هذه كلها تصبح أمورًا ثانوية. المعيار الحقيقي هو الولاء والطاعة.
ولهذا نجد أشخاصًا ينخرطون في خدمة صنم اجتماعي أو سياسي معين، فيصبح انحيازهم إليه وسيلة للوصول إلى السلطة والجاه وتحسين أوضاعهم الاقتصادية. ومع الوقت، لا يعود الصنم مجرد رمز بالنسبة إليهم، بل يتحول إلى جزء من هويتهم ومصدر لمصالحهم، وربما إلى معنى لحياتهم نفسها.
لا تُبنى الأصنام في فراغ. إنها تنشأ في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية معينة، وعلى قواعد وركائز تدعمها قوى مادية ومعنوية. وتزداد قوتها عندما يصبح الناس مهددين في قوتهم وأطفالهم وحريتهم وطموحاتهم.
حينها يتسلل اليأس إلى القلوب، ويستسلم الإنسان للأمر الواقع، فيبدأ بالتكيف مع منظومة الصنم، فتظهر الكذب والنفاق والسلوك الحربائي؛ يقول الإنسان ما لا يؤمن به، ويمدح ما لا يحترمه، ويصمت عن ما يعرف أنه خطأ، لأن ثمن الحقيقة قد يكون أكبر من قدرته على دفعه.
والصنم لا يستطيع أن يبسط نفوذه ويحافظ على كيانه من دون شبكة واسعة من العيون والسدنة والمستفيدين الذين يسهرون على رعاية مصالحه. وكلما اتسعت هذه الشبكة، أصبح الصنم أكثر قدرة على حماية نفسه من الأسئلة والنقاشات التي يمكن أن تهز أساسه.
لذلك يجب أن تكون قاعدة الصنم قوية، وأن تُبنى حوله أسوار من الخوف والتقديس والمصلحة، حتى تقاوم الزلازل والبراكين التي يمكن أن تُحدثها الأسئلة والنقاشات الفكرية.
والأغرب أن بعض من يمتلكون شهادات علمية مرموقة قد يكرسون علمهم ومهاراتهم في إشعال البخور وقراءة التعويذات وتقديم القرابين للصنم.
هؤلاء ربما لم يستطيعوا أن يشقوا طريقهم في مجالات اختصاصهم، أو لم يمتلكوا الصبر والمثابرة لبناء مجدهم بأيديهم، فرأوا أن الطريق الأسهل هو الانضمام إلى مؤسسة الصنم.
طريق لا يخسرون فيه ــ من وجهة نظرهم ــ سوى الكرامة وشرف الضمير.
وما أسهل أن تصبح الكرامة رخيصة عندما يكون المقابل جاهًا أو منصبًا أو مالًا.
الأصنام تخوض حروبًا شرسة ضد حرية الرأي والتعبير والنقاش والتعليم؛ لأن هذه الأشياء تشبه المضاد الحيوي بالنسبة إليها. السؤال يضعفها، والتعليم يكشفها، والنقاش يهز صورتها، والوعي يهدد قدرتها على التحكم.
الصنم لا يريد أفرادًا يفكرون باستقلال، بل يريد جمهورًا ينقاد بلا سؤال، وكأنه منوَّم مغناطيسيًا.
أما المحظوظون الذين يحيطون بالصنم، فيبدأون أحيانًا بتضييق الدائرة المحيطة به، حتى لا تتوزع الغنائم والامتيازات والألقاب على عدد كبير من الناس. فكلما قلَّ عدد المستفيدين، ازدادت قيمة ما يحصلون عليه، وأصبحت التضحية بالصنم بالنسبة إليهم أكثر ربحًا.
لكن ماذا يفعل المحرومون الذين يشعرون بضغط الصنم أو سدَنته؟
أحيانًا لا يتحررون منه، بل يذهبون إلى صنم آخر.
وهنا تكمن المفارقة: يستبدلون وهمًا بوهم آخر، وسدنةً بسدنة آخرين، دون أن يسألوا أنفسهم عن أصل المشكلة.
ومن المضحك المبكي، وهذا يذكرني برواية «حفلة التيس»، أن ابتسامة الصنم أو غضبه قد تصبح معيارًا لصعود أحد السدنة أو سقوطه.
يكفي أن يبتسم له الصنم حتى يشعر أنه في الطريق الصحيح، ويكفي أن يعبس في وجهه حتى يبدأ القلق والخوف.
هكذا تتحول تعابير وجه شخص واحد إلى مؤشرات سياسية واجتماعية، ويصبح رضا الصنم أهم من رضا الضمير.
الصنم، أيها السادة، يدير واحدة من أكبر مؤسسات الدعاية والإعلان والتهريج؛ يستغل جهل الناس، ويلعب على عواطفهم وآلامهم ومخاوفهم وحاجتهم إلى الأمان.
يكرر الرسالة نفسها مرة بعد أخرى، حتى تتحول الدعاية إلى حقيقة، والحقيقة إلى مسلَّمة، والمسلَّمة إلى مقدس.
ثم يأتي الزمن ليؤدي دوره.
مع مرور السنوات، يصل بعض الناس إلى الاعتقاد بأن امتيازات الصنم منزلة من السماء، وأنها حق أبدي لا يجوز انتزاعه ولا حتى مناقشته؛ لأنها ــ كما يُقال لهم ــ أزلية وخالدة.
وهنا تكون مؤسسة صناعة الأصنام قد حققت أخطر انتصاراتها:
لم تعد بحاجة إلى الدفاع عن الصنم، لأن الناس أصبحوا يدافعون عنه بأنفسهم.
إن عبادة الأصنام وتقديسها لا يترك أثرًا على الصنم وحده، بل يترك أثرًا عميقًا في شخصية الفرد والمجتمع.
فعندما يفرض الصنم سيطرته، ويحدد للناس أنماطًا معينة من السلوك والتفكير، ولا يترك مجالًا للإبداع والاجتهاد والسؤال، فإننا لا نكون أمام مجتمع مستقر، بل أمام مجتمع يفقد قدرته على النمو.
وهنا تبدأ النهاية.
لأن المجتمع الذي يخاف السؤال، ويعاقب الاختلاف، ويقدس الأشخاص والأفكار، لا يستطيع أن يتقدم طويلًا.
وفي مجتمع الأصنام لا تحتاج إلى أن تسأل كثيرًا عن موقف الإنسان.
يكفي أن تضع أمامه السؤال:
هل أنت معنا أم علينا؟
فإذا أصبح هذا هو السؤال الوحيد، فقد انتهى النقاش قبل أن يبدأ.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الأديان الأربعة الكبرى في العالم
.. ما حقيقة العنف الطائفي والنظرة النمطية وتحديات الإسلام السيا
.. عبر الخريطة التفاعلية.. ما قصة رفات اليهود الذي تطالب إسرائي
.. كيف يمكن لتحالف عربي يهودي أن يحدد هوية رئيس الوزراء الإسرائ
.. عالقون بين جبهتين: كيف يعيش المسيحيون في البلدات اللبنانية ا