الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يعصر الزمن الإنسان بين الربح والخسران

ثامر الزبيدي

2026 / 8 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يُقسم الله في مطلع سورة العصر القصيرة بـ"العصر"، وهو قسم يستحق أن نقف عنده طويلاً قبل أن ننتقل إلى ما بعده. فمادة (ع ص ر) في أصلها اللغوي تدل على الضغط والشدّ؛ فالعاصر هو من يضغط على الشيء ليستخرج ما في باطنه، وسُمّي الإعصار إعصاراً لأنه ريح تضغط وتلفّ ما مرّت به، وسُمّي العصر (أي الدهر والزمن) عصراً لأنه يضغط أهله بتوالي الأحداث والأيام عليهم حتى يُخرج منهم حقيقتهم، كما تُعصر الثمرة فتخرج عصارتها الحقيقية. فحين يقول الله (وَالْعَصْرِ) [العصر: 1]، فإنه لا يقسم بمجرد ظرف زمني يمرّ مرور السحاب، بل يقسم بحقيقة استخلاصية: أن الزمن يعتصر كل إنسان عصراً لا يُبقي له مجالاً للتخفّي، ويُخرج منه في النهاية معدنه الصافي أو غثاءه.
وجواب هذا القسم يأتي حاسماً وصادماً: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 2]. ولفظ "الخسر" في أصله اللغوي لا يدل على مطلق النقص أو الضرر، بل يدل تحديداً على ذهاب رأس المال؛ فالخاسر هو من يخرج من الصفقة وقد فقد أصل ما استثمره لا مجرد ربحه المتوقع. وهذا فارق دقيق لا ينبغي إغفاله: فالقرآن لا يصف الإنسان بأنه "في نقص" أو "في ضرر"، بل "في خسر"، أي أن رأس المال ذاته - وهو العمر، هذا الذي عصره الزمن - هو ما يذهب هدراً ما لم يُستثمر فيما يبقى. ويزيد من قسوة الحكم أن الآية جاءت بلام التوكيد وحرف "في" الظرفية الدالة على الإحاطة، فكأن الخسران ليس أمراً يقع للإنسان من طرف واحد، بل هو محيط به من كل جانب، غارق فيه لا واقف على حافته.
الاستثناء: حين يأمن القلب فيعمل
بعد هذا الحكم العام القاطع، يأتي الاستثناء الوحيد الذي ينجو به الإنسان من هذا الخسران المحيط: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [العصر: 3]. ولفظ "الإيمان" في أصله اللغوي مأخوذ من الأمن الذي هو ضد الخوف؛ فالمؤمن هو من "أَمِن"، أي سكن قلبه واطمأن ولم يعد يخاف، لأنه استند إلى ما يُوثق به ويُركن إليه. وهذا معنى أدق بكثير من اختزال الإيمان في مجرد "تصديق ذهني" أو معرفة نظرية؛ فالإيمان في لسان القرآن حالة قلبية تُزيل الفزع والاضطراب، لا معلومة تُضاف إلى رصيد المعرفة.
أما "الصالحات" فمن أصل (ص ل ح) الدال على ضد الفساد؛ فالعمل الصالح هو العمل الذي يُصلح ما كان فاسداً ويُقيم الشيء على وجهه الصحيح، وليس مجرد "فعل خير" عام فضفاض. والقرآن حين يقرن "آمنوا" بـ"عملوا الصالحات" في نسق واحد يُقرر معادلة دقيقة: أن الأمن القلبي وحده لا يكفي لتفادي الخسران ما لم يتحول إلى فعل يُصلح واقعاً فاسداً؛ فالإيمان بلا عمل صالح أمنٌ بلا أثر، والعمل بلا إيمان حركة بلا سكينة.
التواصي بالحق: الثابت الذي لا يعصره العصر
ثم يأتي الشرطان الأخيران، وهما فعل جماعي لا فردي: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 3]. ولفظ "الحق" في أصله اللغوي من مادة (ح ق ق) الدالة على إحكام الشيء وصحته وثبوته ولزومه؛ فسُمّي الحق حقاً لأنه الثابت الذي لا يسقط ولا يضمحل ولا يتغير بتغيّر الأحوال والأهواء، على عكس الباطل الذي يضمحل ويزول. وقد وصف القرآن نفسه في أكثر من موضع بهذه الصفة ذاتها؛ فمن ذلك قوله تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) [الأنعام: 66]، حيث يصف الوحي بأنه "الحق" تحديداً بمعنى الثابت الذي لا يتزعزع بتكذيب المكذبين له. فإذا استحضرنا هذا المعنى الجذري، أدركنا أن "التواصي بالحق" ليس مجرد التذكير بصدق الكلام، بل هو تناصح الجماعة على التمسك بما لا يتغير ولا يزول وسط عالمٍ يتغير فيه كل شيء بضغط العصر نفسه.
وهنا يظهر نسيج السورة متماسكاً: فالعصر يضغط، والحق وحده هو الثابت الذي لا ينضغط ولا يتشوّه تحت هذا الضغط.
الصبر: الثبات في وجه الضغط
وأخيراً يأتي "الصبر"، ولفظه في أصله اللغوي يدل على الحبس والثبات، وهو ضد الجزع الذي هو الاضطراب والانفلات عند الشدة. فالصبر ليس - كما قد يُظن - كبتاً للرغبة أو كبحاً قسرياً لها، بل هو ثبات النفس واستقرارها حين يشتد عليها الضغط، تماماً كما يثبت الجبل في وجه الريح العاصفة. وبهذا يكتمل المشهد اللغوي للسورة في حركة واحدة متسقة: "العصر" ضغطٌ يعتصر الإنسان، و"الخسر" هو ما يحدث حين ينفلت الإنسان تحت هذا الضغط فيذهب رأس ماله هدراً، و"الصبر" هو الثبات الذي يقاوم به الإنسان هذا الضغط ذاته دون أن ينكسر أو ينجرف.
فالسورة كلها، من أولها إلى آخرها، بناء واحد محكم حول فكرة الضغط والثبات: زمنٌ يضغط، وخسرانٌ يترصد من ينفلت تحت الضغط، وأمنٌ قلبي يُخرج الإنسان من دائرة الخوف، وعملٌ يُصلح ما أفسده الانفلات، وحقٌّ ثابت لا يتزحزح مهما اشتد الضغط الخارجي، وصبرٌ هو القدرة على البقاء ثابتاً حتى نهاية العصر. أربع كلمات فقط - آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر - هي كل ما يفصل بين إنسانٍ يخرج من عصر الزمن خاسراً رأس ماله، وإنسانٍ يخرج منه وقد استخلص عصارته الحقيقية.
حين يعصرنا العصر الرقمي
ولعل زماننا هذا هو أصدق تجسيد لمعنى "العصر" ذاته؛ فما رأيناه اليوم من انهمار الشاشات وتدفق الإشعارات وتزاحم الأصوات في فضاء رقمي لا يهدأ، ليس سوى ضغط جديد أشد وطأة من ضغوط الأزمنة التي سبقتنا، يعتصر وقت الإنسان وانتباهه وطاقته العصبية في آنٍ واحد، حتى ليخرج منه في آخر يومه فارغاً كمن عُصر فأُخذت عصارته ولم يبقَ له ما يُقدّمه لنفسه أو لمن حوله. وفي هذا الزحام يصبح "الحق" - بمعناه الجذري الثابت الذي لا يتزعزع - أعزّ ما يكون، لأن هذا العصر بالذات هو زمن تكاثر الأخبار الملفّقة وما يُصنَّع بالذكاء الاصطناعي من صور وأصوات ومزاعم تُشبه الحقيقة ولا تكون منها في شيء؛ فيغدو التواصي بالحق اليوم فعلاً يومياً ملحّاً، لا مجرد فضيلة نظرية: أن يتمسك المرء بما ثبت ولا يُساق خلف كل موجة عابرة، وأن يتحرّى قبل أن يُصدّق، وأن يُذكّر من حوله بهذا التحري بدل أن يُسهم في ترويج ما لا أصل له.
أما "الصبر" فيتجلى في هذا الزمن بصورة مختلفة عن كل ما عرفته الأجيال السابقة؛ فلم يعد الصبر - كما كان - صبراً على شحّ أو جوع أو انتظار طويل، بل صار ثباتاً أمام إغراء لا ينقطع: إغراء التمرير بلا توقف، وإغراء الانجرار خلف كل ما يلمع على الشاشة، وإغراء قياس الذات بمقاييس الآخرين المصطنعة التي يعرضونها في صورهم ومنشوراتهم. فالصبر اليوم هو ذلك الثبات الداخلي الذي يُبقي الإنسان متماسكاً وهو يُحاصَر بضغط لا يُرى ولا يُسمع لكنه أشد فتكاً من كثير مما عرفه الإنسان من قبل، لأنه ضغط لا يكفّ ليلاً أو نهاراً. وهكذا يبقى العصر - في كل زمن، وفي زماننا الرقمي على وجه الخصوص - ماضياً في اعتصار الإنسان، ولا ينجو منه إلا من ثبت بالحق واستمسك بالصبر، فخرج من هذا الضغط الهائل وقد حافظ على عصارته الحقيقية بدل أن تذهب هدراً في زحام لا ينتهي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأديان الأربعة الكبرى في العالم


.. ما حقيقة العنف الطائفي والنظرة النمطية وتحديات الإسلام السيا




.. عبر الخريطة التفاعلية.. ما قصة رفات اليهود الذي تطالب إسرائي


.. كيف يمكن لتحالف عربي يهودي أن يحدد هوية رئيس الوزراء الإسرائ




.. عالقون بين جبهتين: كيف يعيش المسيحيون في البلدات اللبنانية ا