الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المقايضة الكبرى : أصول الدولة مقابل الدين المحلى؟
حسن مدبولى
2026 / 8 / 30الادارة و الاقتصاد
«المقايضة الكبرى»: هل تستطيع الدولة تخفيف أعباء ديونها عبر تحويل ملكية أصولها !؟
تواجه الاقتصادات المتخلفة معضلة متكررة تتلخص فى ارتفاع الدين العام الذى لا يضغط فقط على حجم عجز الموازنة، بل يلتهم جزءاً متزايداً من مواردها في صورة فوائد وأقساط، وبالتالى كلما ارتفعت تكلفة الاقتراض، تقلصت المساحة المتاحة أمام الدولة للإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار والخدمات العامة.
وقد أثار الخبير المالي حسن هيكل( نجل المرحوم محمد حسنين هيكل) ومستشار رئيس مجلس الوزراء طرحاً حمل اسم «المقايضة الكبرى». تقوم فكرته في جوهرها، على استخدام بعض أصول الدولة غير المستغلة أو منخفضة العائد في تسوية جزء من الدين المحلي، بدلاً من بيعها لمستثمرين أجانب أو اللجوء إلى اقتراض جديد.
لكن السؤال الأساسي الذى يظل قائماً هو هل نحن أمام حل حقيقي لمشكلة الدين، أم أننا أمام مجرد إعادة ترتيب للحسابات ونقل للعبء من جهة حكومية إلى أخرى !؟
الإجابة تحتاج إلى التمييز بين أمرين مختلفين: تخفيف خدمة الدين على الموازنة من ناحية، واختفاء الدين من الاقتصاد ككل من ناحية أخرى. فالمقايضة قد تمنح الدولة مساحة للتنفس، لكنها لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر ثراءً.
و تقدم تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام، المعروفة باسم «ماسبيرو»، نموذجاً عملياً لفهم آلية المقايضة. فقد تراكمت على الهيئة ديون لصالح بنك الاستثمار القومي بلغت، وفقاً للبيانات المنشورة نحو 88.3 مليار جنيه.
وبدلاً من ضخ أموال جديدة من خارج الجهاز الحكومي، جرت تسوية داخلية بين جهتين مملوكتين للدولة. وتضمنت التسوية إلغاء نحو 51.4 مليار جنيه من الفوائد والغرامات المتراكمة، مقابل نقل ملكية 44 أصلاً عقارياً مملوكة للهيئة تتضمن أراضٍ ومبانٍ غير مستغلة إلى ملكية البنك، مقابل الغاء البنك جزء من المديونية المستحقة له ،
والمغزى المباشر من هذه التجربة أن التسوية لم تعتمد على تدفق نقدي جديد إلى ماسبيرو، بل أعادت توزيع الملكية والالتزامات داخل مؤسسات الدولة. فقد خفّ العبء المالي عن الهيئة، بينما حصل البنك على أصول يمكن تطويرها أو استثمارها مستقبلاً، لتعويض مديونيته التى تخلى عنها ،،
ومن هنا نشأ السؤال الأكبر: إذا أمكن استخدام هذه الآلية( المقايضة) في تسوية مديونية هيئة حكومية، فهل يمكن توسيعها لتشمل جزءاً من الدين العام للدولة؟
فالمقايضة، ببساطة تعنى استبدال أصل تملكه الدولة بجزء من الدين القائم عليها. فقد تنقل الدولة ملكية حصة في شركة أو بنك أو مؤسسة عامة إلى كيان حكومي آخر، مثل بنك مركزي أو صندوق سيادي، وفي المقابل يُخفض جزء من أدوات الدين المسجلة على وزارة المالية، كأذون الخزانة أو السندات الحكومية.
ويمكن تبسيط تلك الآلية في ثلاث خطوات. أولاً، يجري تحديد أصل حكومي قابل للنقل وتقييمه مالياً وقانونياً. ثانياً، تُنقل ملكية الأصل إلى جهة حكومية أخرى. ثالثاً، يُشطب أو يُخفض مبلغ مماثل من الدين الحكومي، بما يقلل قيمة الفوائد التي تدفعها الموازنة مستقبلاً.
ولنفترض، على سبيل المثال، أن الدولة نقلت أصلاً قيمته خمسة تريليونات جنيه إلى جهة حكومية أخرى، مقابل خفض القيمة نفسها من أذون وسندات الخزانة. في هذه الحالة لا تحصل الدولة على «أموال مجانية»، ولا تدخل سيولة جديدة بالضرورة إلى الاقتصاد.لكن ما يحدث هو مبادلة أصل ثابت بالتزام مالي يحمل فوائد، بهدف تقليل تكلفة خدمة الدين مستقبلاً.
وتعود الفائدة الرئيسية للمقايضة فى أنها قد تخفض الضغط السنوي على الموازنة. فالدولة لا تتخلص فقط من أصل من أصولها، بل تتوقف أيضاً عن دفع الفوائد المرتبطة بالجزء الذي جرى شطبه من الدين. وإذا كانت هذه الفوائد مرتفعة، فقد يتحول الوفر المتحقق إلى موارد يمكن توجيهها إلى الاستثمار العام أو تحسين الخدمات أو دعم الإصلاحات الاقتصادية.
لكن حجم الفائدة لا يتحدد بقيمة الأصل وحدها، بل بالفارق بين العائد الذي يحققه الأصل وتكلفة الدين الذي جرى التخلص منه. فإذا كان الأصل لا يدر دخلاً يذكر، وكانت كلفة خدمة الدين مرتفعة، فقد تكون المقايضة منطقية اقتصادياً. أما إذا كان الأصل يحقق أرباحاً مستقرة أو يوفر للدولة إيرادات مستمرة، فإن التخلي عنه قد يحرم الاقتصاد من مصدر دخل طويل الأجل.
بعبارة أخرى، لا يكفي أن تقول الدولة: «لدينا أصل يساوي 100 مليار جنيه ودين يساوي 100 مليار جنيه». فالقيمة الاسمية وحدها لا تحسم القرار. المهم هو ما إذا كان الأصل سيحقق عائداً أعلى من تكلفة الدين، وما إذا كانت الدولة قادرة على إدارته بكفاءة.
ينطلق جانب من المؤيدين للفكرة من أن الدولة تمتلك أصولاً ضخمة قد تكون مجمدة أو ضعيفة الاستغلال، بينما تتحمل في الوقت نفسه فوائد مرتفعة على الدين. ومن وجهة نظرهم، فإن استخدام هذه الأصول لتقليل الدين يمكن أن يحسن وضع الموازنة من دون بيع الأصول الاستراتيجية أو زيادة الاقتراض.
في المقابل، يرى المنتقدون أن نقل الدين من الموازنة العامة إلى البنك المركزي أو جهة حكومية أخرى لا يعني محوه من الاقتصاد. فقد يتغير مكان تسجيل الالتزام، لكن تكلفة الإدارة والمخاطر المالية قد تظل قائمة. كما أن البنك المركزي ليس شركة لإدارة العقارات أو المحافظ الاستثمارية؛لكن وظيفته الأساسية هي إدارة السياسة النقدية والحفاظ على استقرار الأسعار والنظام المالي.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: فالمقايضة قد تخفف مشكلة الموازنة، لكنها لا تلغي بالضرورة المشكلة على مستوى الدولة ككل. فإذا انتقلت الأصول إلى مؤسسة غير مؤهلة لإدارتها، فقد تنخفض قيمتها أو تتراجع عوائدها. وإذا لجأت التسوية إلى إصدار نقود جديدة بدلاً من مجرد إعادة ترتيب الملكية والالتزامات، فقد تنشأ ضغوط تضخمية وسعرية.
وهناك العديد من المخاطر التي تفسر استمرار الجدل حول ذلك الاقتراح:
أول المخاطر يتعلق بالتضخم. فالمقايضة المحاسبية البحتة لا تعني تلقائياً خلق نقود جديدة، لكن إذا تحولت العملية إلى تمويل نقدي مباشر أو إلى إصدار أموال بلا زيادة مقابلة في الإنتاج، فقد ترتفع السيولة من دون أن ترتفع السلع والخدمات بالقدر نفسه. والنتيجة المحتملة هي زيادة التضخم والضغط على سعر الصرف.
الخطر الثاني يتعلق بالتقييم. فالأصل الحكومي يجب أن يُقيّم وفق أسس مستقلة وشفافة، لأن المبالغة في قيمته قد تخفي حجم الخسارة الحقيقية، بينما يؤدي تخفيض قيمته إلى نقل ملكية عامة بأقل من سعرها العادل. ولذلك فإن أي مقايضة تحتاج إلى تقييمات محايدة، وإفصاح واضح، ورقابة قانونية ومحاسبية.
أما الخطر الثالث فيتصل بطبيعة الأصول التي يمكن استخدامها. فهناك فرق كبير بين حصة في شركة عامة ضعيفة العائد، وأصل استراتيجي يدر دخلاً مستمراً أو يرتبط بالأمن الاقتصادي والسيادي للدولة. وحتى إذا استُبعدت الأصول السيادية الحساسة، فإن حصص البنوك والشركات العامة تحتاج أيضاً إلى دراسة دقيقة قبل اتخاذ قرار نهائي بشأنها.
الخطر الرابع هو كفاءة الإدارة. فنقل الأصل من جهة إلى أخرى لا يضمن تلقائياً تحسين أدائه. وقد تكون الجهة الجديدة أكثر قدرة على التطوير، وقد تكون أقل خبرة في إدارة هذا النوع من الأصول. لذلك يجب أن تكون المقايضة جزءاً من خطة لإدارة الأصول، لا مجرد إجراء لتجميل أرقام الموازنة.
الخطر الخامس لهذا التوجه هو عدم ضمان قيام الجهة التى قايضت ديونها مقابل أصل من أصول الدولة، بعرض ذلك الأصل للبيع لجهات خارجية لتعويض الديون وتحقيق مكاسب مالية ، والبنك المركزى مثلا يمكنه عرض قناة السويس للبيع بكل استقلالية ان هو قبل مقايضتها بالدين المحلى ، وهو ان فعل ذلك لاسلطة نظرية لأحد عليه ، ووقتها ستدفع الحكومة بانها ليست هى من قام ببيع القناة ، لكنه البنك المركزى ، باعتباره جهة مستقلة ( نظريا طبعا)
باعتبار أن القناة كانت مرهونة لديه مقابل قيمة الدين المحلى، وان تصرفه بالبيع الخارجى حقق مكاسب طائلة ، وعوض قيمة المديونية، الخ
وبوجه عام يمكن أن تكون المقايضة مفيدة عندما يكون العائد المالي للأصل أقل من تكلفة خدمة الدين المراد تخفيضه. فإذا كان الأصل يدر عائداً سنوياً ضعيفاً، بينما تتحمل الدولة فوائد مرتفعة، فقد يكون تحويله إلى أداة لخفض الدين قراراً اقتصادياً قابلاً للدفاع عنه.
أما إذا كان الأصل يحقق تدفقات نقدية مستقرة تفوق فوائد الدين، فإن التخلي عنه قد يمثل خسارة طويلة الأجل. فالدولة ستخفض فوائدها اليوم، لكنها ستفقد دخلاً متكرراً في السنوات المقبلة. وهذا يوضح أن القرار لا ينبغي أن يعتمد على الحسابات قصيرة الأجل وحدها.
وعليه، ينبغي أن تقوم أي مقايضة ناجحة على خمسة شروط رئيسية: تقييم مستقل وشفاف للأصول، اختيار أصول غير استراتيجية ومنخفضة العائد، التأكد من قدرة الجهة الجديدة على إدارتها، تنفيذ العملية من دون خلق سيولة غير مغطاة، وربطها بإصلاحات مالية تمنع عودة الدين إلى الارتفاع.
والخلاصة اننا نرى أن مايطلق عليه بالمقايضة الكبرى تعتبر أداة مالية ذكية إذا استُخدمت في نطاق محدود وتحت رقابة صارمة. مع ضمان عدم تحويل الملكية للخارج، فهي قد تساعد على خفض خدمة الدين، وتحويل أصول غير مستغلة إلى قيمة اقتصادية، ومنح الموازنة فترة تلتقط فيها أنفاسها. كما أنها قد تتجنب، في بعض الحالات، اللجوء إلى بيع أصول استراتيجية أو زيادة الاقتراض الخارجي.
لكنها ليست حلاً سحرياً. فالدولة التي تخفض ديونها عبر بيع أو نقل جزء من أصولها من دون معالجة أسباب العجز قد تجد نفسها بعد سنوات أمام المشكلة نفسها، ولكن برصيد أقل من الأصول. وإذا استمر الإنفاق غير المنضبط، وظلت الإيرادات الإنتاجية ضعيفة، فسيتراكم الدين من جديد مهما كانت قيمة التسوية الأولى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة - هل تسقط العقوبات الاقتصادية النظام في إيران؟
.. قراءة اقتصادية.. العقوبات الأمريكية تحاصر قنوات وصول إيران إ
.. نافذة من طهران | العقوبات الأمريكية تترك بصماتها على الاقتصا
.. الفقرة الاقتصادية | قفزة السندات والنفط وأزمة الحبوب وتسريح
.. بيانات -الفاو- الجديدة تثير قلق البنوك المركزية من التضخم