الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الآذان ، حرب وجودية !!؟

حسن مدبولى

2026 / 8 / 30
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ليس الأذان مجرد نداء إلى الصلاة، ولا محض صوت يتردد في فضاء بلادنا خمس مرات في اليوم، لكنه واحد من أقدم وأشرف الأصوات التي صاغت الذاكرة السمعية للمدن العربية والإسلامية، وارتبط عبر القرون بملامح المكان وإيقاع الحياة ووجدان الناس، إنه النداء الخالد الذى يملأ الكون بشهادة الوحدانية ، والتأكيد على أن لا أحد أكبر وأعظم من الخالق سبحانه وتعالى، وهو النداء الأطهر وسط زخم من أصوات نجسة ترفع رايات الشرك والجور والظلم وشريعة الغاب، وتعلى قيم الخرافة والهرطقة، وتهدد المدنية بأصوات مدافعها التى تقتل الأبرياء وتنثر صرخات اطفالنا وبقايا جثامينهم الصغيرة التى يقدمونها قربانا للرب المزيف والأساطير المتوحشة ،

إن الدفاع عن حضور الأذان في الفضاء العام لا يعني رفض التنظيم أو تجاهل حق الناس في الهدوء، وإنما يعني رفض تحويل كلمات حق يراد بها باطل، مثل الإزعاج او المرضى،أو الحداثة، إلى أدوات شيطانية حاقدة تستخدم لاقتلاع رمز تاريخي وديني وثقافي متجذر في المجتمع، وتحاول كتم صوت بات يمثل الاستغاثة الأخيرة الباقية للمستضعفين فى الأرض ،

لقد عاشت القاهرة والاسكندرية ، كما عاشت دمشق وحلب وبغداد والبصرة والجزائر والرباط وفاس وصنعاء وعدن والقدس ورام الله وبغداد والبصرة وتونس والقيروان ، وغزة وجنوب لبنان، وطهران وخوزستان واسطنبول وأنقره وكراتشى وكابول وغيرها من المدن على إيقاع المآذن، كان الأذان ولايزال جزءًا لايتجزأ من يوم المدينة العربية الاسلامية ، وعلامة على استمرار شخصيتها وذاكرتها، وصوتًا يعلن أن لهذه المدن تاريخًا وثقافة ووجدانًا سماويا مقدسا، ولا يمكن اقصائها واختزالها جميعا في جماد أخرس أصم، وشوارع سكرة بلا روح.

إن الأذان، في التجربة الإسلامية، ليس صوتًا طارئًا على المجال العام؛ فمنذ فجر الإسلام وهو نداء معلن يجمع الناس على معنى واحد، ويكسر خمس مرات في اليوم رتابة الحياة المادية، مذكرًا الإنسان بأن وراء صخب الدنيا وظلماتها معنى أكبر، ومالك قادر أعظم فوق الجميع،
ولم يثبت عبر مئات السنين أن هناك من أشتكى من الازعاج بسبب التكبيرات المقدسة أو الجهر بالوحدانية لله سبحانه وتعالى، سوى من كان فى قلبه حقد ومرض وكراهية دفينة !
لذلك فمحاولات إقصاء الأذان فى الوقت الراهن لأى حجة ، ليست مسألة تقنية ولا تنظيمية، فهى تستهدف وجوده ذاته.
فالحداثة الحقيقية لا تعني محو الذاكرة، والتقدم لا يعني أن تصبح المدن كئيبة داعرة يعلوها تلوث تجارى يتلاعب بأعراض الانسانية،ولا مدن متشابهة فى السقوط الاخلاقى بلا تاريخ ولا ملامح ولا روح.يلفها صخب شيطاني ،
إن للأذان بعدًا تراثيًا لا يمكن تجاهله؛ فقد ارتبط عبر العصور بأصوات المؤذنين وبمدارس الأداء والمقامات، حتى أصبح جزءًا من «العمارة الصوتية» للمدينة المصرية والمشرقية، تمامًا كما أصبحت المآذن والقباب والأسبلة والأحياء القديمة جزءًا من عمارتها البصرية.
لذا فإن المؤامرات الجارية تستهدف الرمز الاسلامى نفسه والبداية هنا هى الأذان ،،
وفيما يبدو جليا أن كل تلك الحملات المشبوهة الممنهجة القذرة التى تستهدف الأذان فى الوقت الراهن، لم تأتى مصادفة،فالأعداء يدركون دائمًا أهمية الرموز التي تمنح الشعوب إحساسها بذاتها، وفى الوقت الذى يركزون فى حروبهم الإجرامية الحاقدة على قصف المآذن وتدمير آلاف المساجد ، فانهم يستخدمون طابورهم الخامس بالداخل للحط من شأن تلك الرموز، فالصراع على الهوية يبدأ أحيانًا من التفاصيل التي تبدو صغيرة،لأن محو الرموز مهما كان شأنها، يمهد لمحو الذاكرة، ومحو الذاكرة يجعل اقتلاع الشخصية أسهل، ويحولها الى كائن مدجن مستسلم جبان ،

إن الأذان ليس نشازًا في مدننا حتى نعتذر عن وجوده، ولا دخيلًا على تاريخنا حتى نطلب له مكانًا. إنه صوت امتد في سمائنا قرونًا، ورافق أجدادنا وآباءنا، وسيظل جزءًا من ذاكرة هذا الوطن حتى نهاية التاريخ
ومن يطلب تنظيم الصوت فليطلب تنظيمه بالعدل، أما أن يتحول التنظيم إلى إسكات، والحداثة إلى محو، والهدوء إلى ذريعة لاقتلاع الهوية، والمواطنة الى مسوغ للتطاول وقلة الأدب، فهنا يصبح الدفاع عن الأذان دفاعًا وجوديا مشروعا ،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأديان الأربعة الكبرى في العالم


.. ما حقيقة العنف الطائفي والنظرة النمطية وتحديات الإسلام السيا




.. عبر الخريطة التفاعلية.. ما قصة رفات اليهود الذي تطالب إسرائي


.. كيف يمكن لتحالف عربي يهودي أن يحدد هوية رئيس الوزراء الإسرائ




.. عالقون بين جبهتين: كيف يعيش المسيحيون في البلدات اللبنانية ا