الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الچاسر..و(في الضحى) حين كان يجمعنا

نايف عبوش

2026 / 8 / 30
قضايا ثقافية


الچاسر.. و(في الضحى) حين كان يجمعنا


ثمة مفرادت في حياتنا أيام زمان ،لم تكن تبدو ذات شأن، حين كنا نعيشها في اللحظة، يوم ذاك، لكنها تكبر في الذاكرة، كلما ابتعد بنا الزمن عنها..

ولعل من بين تلك الأشياء الچواسر، و(في الضحى)، وهو ذلك الظل الذي كان يصنعه البيت، فنرنوا إليه حين تميل الشمس إلى الارتفاع، لتتحول فسحة الظل ساعتذاك ،إلى مجلس چاسر،عامر بالأنس والحكايات.

كان للضحى أيام زمان طعم آخر..فحين تبدأ حرارة الشمس بالاشتداد، يكون ظل البيت قد أصبح مقصدا محببا.فهناك، في الچاسر، يجلس الكبار، ويتكئون إلى جدار البيت، وقد تركوا لأجسادهم فسحة من الراحة، فلا مقاعد فاخرة، ولا وسائل ترف، ولا أجهزة تبريد، وانما مجرد ظل، تصنعه جدران البيت، ونسمة عابرة، وماء جرة بارد، وشاي الضحى،وحديث سمر لا ينتهي.

وهكذا كانت الچواسر مدرسة شفوية مفتوحة على قاعدة المجالس مدارس، فيها يتعلم الصغير من الكبير، ويتعرف إلى العادات والتقاليد، ويستمع إلى أمثالهم وحكاياتهم، ويتعلم كيف يكون الحديث، وكيف يكون الإصغاء، وكيف تحفظ مكانة الكبير.

وهكذا لم يكن الظل يوم ذاك، مجرد مساحة تحجب الشمس،بل كان مكانا يجتمع فيه الناس..فالبيت لم يكن مغلقا على أهله، كما هو حال كثير من بيوت اليوم، وإنما كان ظله امتدادا للحياة الاجتماعية. فقد يمر جار فيلقي السلام ويجلس.. وقد يأتي قريب بلا موعد، فيجد له مكانا في المجلس. وربما يمر عابر سبيل، فأدركه ظل البيت، فكان له فيه نصيب من الماء والراحة والكلمة الطيبة،حيث كانت البساطة يوم ذاك، تصنع أشياء كثيرة نفتقدها الآن.حياة بسيطة لكنها كانت زاخرة بالمعنى.

واليوم، حين نستذكر الچاسر و (في الضحى)، فإننا لا نستحضر وقتا من ساعات النهار، وحسب، وإنما نستحضر عالمًا كاملًا من العلاقات، والذكريات.. نستحضر وجوها ربما غاب أصحابها، وأصواتا لم تعد تُسمع، وبيوتا تغيرت معالمها، وأمكنة كانت عامرة بالأهل والجيران، ثم صارت صامتة إلا من ذكريات الذين عرفوها.

ولذلك فإن الچواسر ليست مجرد مفردة من مفردات المكان الشعبي، بل ذاكرة (ظل) جمع الناس، وحفظ أحاديثهم، وظل شاهدًا صامتا على تفاصيل حياة، لم تكن تملك كثيرا من وسائل الراحة، لكنها كانت تملك الكثير من دفء العلاقات الإنسانية.

لقد تغير كل شيء تقريبا، وأصبحت البيوت أكثر حداثة، وأصبح الظل يصنعه المكيف، وأصبح اللقاء يتم عبر الهواتف والشاشة الزرقاء..وهنا تكمن مفارقة الزمن..فلقد كسبنا كثيرا من وسائل الراحة، لكننا خسرنا دفء تلك الجلسات الشيقة،التي كانت تصنع الألفة من دون موعد، ومن دون تكلف، ومن دون أن يدعو أحدٌ أحدًا إلى الحضور.. كان يكفي أن يكون هناك ظلّ بيت و (في الضحى)..،ليأتي الناس وتبدأ الحكايات،وتتعانق الذكريات..ويمضي الوقت ببطء، لكن أحدا، لم يكن يشعر بأنه ضاع.

ولعلنا لهذا السبب،وكلما تقدم بنا العمر، تأخذنا الذاكرة إلى تلك التفاصيل الصغيرة، التي لم نكن نعرف قيمتها يوم عشناها،لا لأننا نريد أن نعود إلى الماضي كما هو،بل لأننا نريد أن نستعيد شيئًا من روحه..روح ذلك الزمن الذي كان للبيت فيه ظل، وللظل فيه مجلس، وللمجلس فيه ربع، وللربع فيه حكايات.

وهكذا تبقى (الچواسر)، و(في الضحى)، أكثر من مجرد صورة عابرة في ذاكرة المكان،إنها مشهد من الموروث الشعبي الحي، تختصره جدران بيت طين قديم، وظل وارف، وحكايات، كانت تبدأ مع الضحى، ثم تبقى في الذاكرة مدى العمر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إقالة ماريا بارتيرومو تثير الجدل.. هل تنضم إلى إدارة ترامب؟


.. مقترح أمريكي لإنهاء الحرب وموسكو تتوعد التصنيع العسكري في أو




.. لماذا يتجنب ترمب مصطلح -حرب- في تصريحاته بشأن إيران؟


.. عقوبات الولايات المتحدة على إيران تعيد جدل الفاعلية والأهداف




.. القوات الحكومية اليمنية: طيراننا الحربي استهدف مواقع لمليشيا