الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العراق في قرن: أربعة أجيال ولم تكتمل تجربة الدولة
عبد علي سفيح
باحث اكاديمي
2026 / 8 / 30
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
حين نقرأ تاريخ العراق السياسي في القرن العشرين، قد يبدو لنا أنه مجرد سلسلة من التحولات السياسية: نهاية الحكم العثماني، الاحتلال البريطاني، ثورة العشرين، تأسيس المملكة العراقية، ثم الجمهورية، والانقلابات العسكرية، وصعود حزب البعث، فالحروب والأزمات، وصولًا إلى سقوط بغداد عام 2003.
لكنني أعتقد أن قراءة أخرى لهذا التاريخ قد تكون أكثر أهمية لفهم العراق اليوم.
فالعراق لم يشهد خلال قرن واحد تغير الحكومات والأنظمة السياسية فقط، بل شهد تغيرًا متكررًا في القواعد التي يُعاد بها تنظيم المجتمع والدولة. دخل العراق القرن العشرين وهو جزء من الدولة العثمانية، ثم انتقل إلى الاحتلال البريطاني والانتداب، وكانت ثورة العشرين إحدى أهم اللحظات التي دفعت بريطانيا إلى تغيير سياستها، والاتجاه نحو تأسيس حكم وطني، فأنشئت المملكة العراقية وتوّج الملك فيصل الأول ملكًا عام 1921.
غير أن الدولة العراقية الجديدة لم تحصل على الوقت الكافي لترسيخ تقاليد سياسية ومؤسساتية مستقرة. فقد تعاقبت الحكومات، واشتدت الصراعات السياسية، وتدخل الجيش في الحياة السياسية، وظهرت الانقلابات العسكرية كوسيلة لتغيير السلطة.
وفي هذه البيئة ظهرت أحزاب وتيارات سياسية متعددة، وكل منها حمل تصورًا مختلفًا لإعادة تنظيم الدولة والمجتمع: من الملكية الدستورية والليبرالية، إلى القومية العربية، والتيارات اليسارية والشيوعية، ثم التيارات القومية الراديكالية وغيرها. ثم جاءت ثورة 1958 لتعلن نهاية الملكية وبداية الجمهورية. ومعها بدأت مرحلة أخرى من الصراع والانقلابات والتغيرات السياسية، إلى أن وصل حزب البعث إلى السلطة عام 1968، ودخل العراق مرحلة طويلة من الحكم المركزي الصارم، انتهت بحروب كبرى وأزمات متتابعة: الحرب العراقية الإيرانية، ثم غزو الكويت، وحرب الخليج، والعقوبات الدولية، وأخيرًا سقوط بغداد في نيسان/أبريل 2003.
لكن ماذا يعني كل ذلك إذا نظرنا إليه من زاوية الأجيال؟
إذا افترضنا أن الجيل يمتد في المتوسط نحو خمسة وعشرين عامًا، فإن القرن العراقي الحديث يمكن أن يُقرأ باعتباره قرنًا عاشته أربعة أجيال متعاقبة، ولكن كل جيل منها نشأ في بيئة سياسية مختلفة عن الجيل الذي سبقه.
جيل وُلد في أواخر العهد العثماني، وجيل نشأ في ظل الاحتلال والانتداب، وجيل عاش الملكية والانقلابات، وجيل آخر نشأ في ظل الجمهورية والبعث والحروب.
وهنا تظهر المشكلة الأعمق. المجتمع يحتاج إلى وقت لكي يتعلم الدولة.
فالمؤسسات لا تستقر بمجرد تأسيسها، والقوانين لا تصبح ثقافة اجتماعية بمجرد إصدارها، والعمل السياسي لا يتحول إلى تقليد راسخ بمجرد إنشاء الأحزاب.
كل ذلك يحتاج إلى تراكم طويل تنتقل فيه الخبرة من جيل إلى آخر.
لكن ماذا يحدث عندما يتغير النظام السياسي قبل أن تكتمل خبرة النظام السابق؟
تبدأ عملية إعادة تنظيم جديدة للمجتمع، وتُعاد صياغة المؤسسات، وتتغير قواعد العمل السياسي، وتتغير النخب ومراكز القوة، ويجد جيل جديد نفسه أمام دولة مختلفة عن الدولة التي عرفها آباؤه.
وبذلك لا ينقطع التراكم السياسي والمؤسسي فحسب، وإنما ينقطع أيضًا انتقال الخبرة الاجتماعية من جيل إلى آخر.
وهنا ربما نستطيع أن نفهم جانبًا من ضعف الدولة العراقية اليوم.
فالمشكلة ليست فقط في الفساد، ولا في التدخلات الخارجية، ولا في سوء الإدارة، ولا في الصراعات السياسية، رغم أهمية كل هذه العوامل.
المشكلة الأعمق قد تكون أن العراق عاش خلال قرن كامل عمليات متكررة لإعادة بناء الدولة قبل أن تكتمل عملية البناء السابقة.
لقد تغيرت الدولة مرات عديدة، بينما المجتمع لم يحصل على المدة التاريخية الكافية لكي يحول تجربة الدولة إلى ثقافة ومؤسسات وموروث سياسي متراكم.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا تغيرت الأنظمة السياسية في العراق بهذه السرعة؟
بل: ماذا فعل هذا التغير المتواصل بالمجتمع العراقي نفسه؟
ربما يكون أحد الأجوبة أن المجتمع أصبح أكثر قدرة على التكيف مع التغيير من قدرته على بناء الاستقرار؛ وأكثر خبرة في التعامل مع الأشخاص ومراكز القوة من التعامل مع المؤسسات؛ لأن المؤسسات نفسها لم تحصل دائمًا على فرصة كافية لكي تصبح مستقلة عن الأشخاص والأنظمة.
ومن هنا يمكن أن نفهم العراق باعتباره مجتمعًا عاش قرنًا من إعادة التنظيم السياسي والاجتماعي المتكرر.
فكل جيل لم يرث فقط دولة مختلفة، بل ورث أيضًا ذاكرة مختلفة عن الدولة، وتجربة مختلفة معها، وطريقة مختلفة في التعامل مع السلطة. ولهذا فإن بناء الدولة العراقية اليوم لا ينبغي أن يعني فقط إنشاء مؤسسات جديدة، أو تغيير القوانين، أو تشكيل حكومة جديدة.
إنه يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء التراكم:
تراكم الخبرة السياسية، وتراكم الثقة بالمؤسسات،
وتراكم الموروث المهني،
وتراكم الثقافة القانونية،
وتراكم المسؤولية الاجتماعية.
فالدولة لا تُبنى من الصفر مع كل جيل.
الدولة الحقيقية هي التي يستطيع فيها الجيل الجديد أن يرث خبرة الجيل السابق، لا أن يبدأ تجربته من جديد.
وربما تكون هذه هي إحدى أهم مشكلات العراق في القرن الأخير:
أربعة أجيال عاشت تغيرات كبرى، لكن لم تتح لها فرصة طويلة لكي تحول هذه التجارب إلى تراكم مستقر يعاد إنتاجه اجتماعيًا ومؤسساتيًا.
ومن هنا، فإن أزمة العراق ليست فقط أزمة نظام سياسي، وإنما قد تكون في جانب منها أزمة تراكم تاريخي. ممكن القول بأن العراق لم يعانِ من انقطاع الدولة فقط، بل من انقطاع انتقال خبرة الدولة من جيل إلى جيل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الأديان الأربعة الكبرى في العالم
.. ما حقيقة العنف الطائفي والنظرة النمطية وتحديات الإسلام السيا
.. عبر الخريطة التفاعلية.. ما قصة رفات اليهود الذي تطالب إسرائي
.. كيف يمكن لتحالف عربي يهودي أن يحدد هوية رئيس الوزراء الإسرائ
.. عالقون بين جبهتين: كيف يعيش المسيحيون في البلدات اللبنانية ا