الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة السادسة
مهند كاظم محمد
2026 / 8 / 31قضايا ثقافية
الممحاة... المجد الذي يختفي كلما نجح
على طرف المكتب، وبين الأقلام والدفاتر، تعيش الممحاة حياةً غريبة. لا أحد يشتريها لأنها جميلة.
لا أحد يفتخر بها كما يفتخر بقلم فاخر. ولا أحد يحتفظ بها للذكرى.
ومع ذلك...
قلّما يكتمل قلمٌ من دونها. المفارقة أن القلم يبدأ عمله بترك أثر، أما الممحاة، فتبدأ عملها بإزالة الأثر.
القلم يعلن عن نفسه مع أول كلمة.
والممحاة لا يشعر بها أحد... إلا عندما يخطئ القلم.
ربما لهذا السبب، لم تنل الممحاة ما ناله القلم من الاهتمام. فالناس تتذكر من كتب. ولا تتذكر من أعاد الصفحة نظيفة.
تأملها جيداً.
كلما نجحت في عملها، اختفى الدليل على أنها كانت هنا. تمحو الكلمة فتختفي الكلمة. ويمر أثرها معها، ثم تبقى الورقة صامتة، كأن شيئاً لم يحدث.
إنها تنجز عملها الكامل. ثم تغادره بلا توقيع. ولعل هذا أغرب أنواع النجاح.
أن تنجح...
ولا يبقى ما يشير إليك. وإذا دققت النظر أكثر، ستكتشف شيئاً آخر.الممحاة لا تكبر مع الزمن، بل تصغر.
كلما أصلحت خطأً، فقدت جزءاً من نفسها. لا لأنها ضعيفة، بل لأن الإصلاح له ثمن.
ومع ذلك، لا تتوقف، لا تساوم، ولا تؤجل عملها حتى يأتي خطأ أكبر.
تمضي في مهمتها، مهما كان الخطأ صغيراً. الغريب أيضاً أننا نفرح عندما تكون الممحاة جديدة.
بيضاء، نظيفة، حوافها حادة. لكنها، في تلك اللحظة، لم تُصلح شيئاً بعد. أما حين تصبح أصغر، وخشنة الأطراف، ومليئة بآثار الحبر والرصاص، فإنها تكون قد أدت رسالتها.
وكأن قيمتها لم تكن فيما كانت عليه، بل فيما أنجزته. لعل أجمل ما فيها أنها لا تحتفظ بشيء.
كل ما تمحوه، تتركه خلفها، لا تعود إليه، ولا تستدعيه من جديد. تمضي إلى السطر التالي.
أما نحن...
فكم من خطأ محوناه بألسنتنا، لكننا أبقيناه في ذاكرتنا؟
وكم من صفحة أنهيناها، ثم بقينا نعيد قراءتها وكأنها لم تنتهِ؟
الممحاة تعرف أن الصفحة لا تُكتب مرتين بالطريقة نفسها، لذلك لا تضيع وقتها في النظر إلى ما أزالته.
إنها تنظر دائماً إلى الفراغ الذي منحته للكلمة القادمة. ربما لهذا لم تُخلق الممحاة لتكون بطلة القصة، انما لتمنح القصة فرصةً أخرى.
ولعل أعظم الأعمال ليست تلك التي تضيف شيئاً جديداً، بل تلك التي تزيل ما كان يمنع الجديد من أن يولد.
ويبقى السؤال...
لو كانت في حياتك ممحاة لا تمحو الكلمات، بل تمحو شيئاً واحداً فقط... فماذا ستختار أن تمحو؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حملة تهاجم المسلمين في أوروبا.. من يقف وراءها؟
.. الجيش الإسرائيلي: اعتراض مسيرة تابعة لحزب الله في جنوب لبنان
.. تصريحات ترمب تعيد نزاع جزر فوكلاند بين الأرجنتين وبريطانيا
.. أخطر موقع إيراني.. ترمب: قد نضرب جبل الفأس
.. حصريا.. لحظة دخول الحماية المدنية إلى البئر العالق بها الطفل