الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كِتابةُ الْموت

نورالدين حنيف

2026 / 8 / 31
قضايا ثقافية


و نحن نكتب رغبتنا في الحياة إنما نكتب موتنا باستمرار. هذه مفارقة عجيبة لكنها كائنة شئنا أم أبينا، و لا أحد ينفلت من عضويته فيها بصورة أو بأخرى. و هي عضوية لا تشريف فيها و لا تسييد و لا تنقيص، (فالموت هو أعدل مخلوق خلقه الله على وجه البسيطة).
لكن الحديث هنا لن يكون واعظا حكيما يمتلك الوصايا الكفيلة بالانتصار القيمي على الموت، و إنما غرضنا بيان كيف تتورّط الكتابة في فعل الموت و هي لا تدرك ذاتها المورَّطَة.
ما معنى الكتابة إن لم تكن حرصا على تسويد الوجود الشخصي والجمعي معاً والتأريخ لهما؟
ما معنى الكتابة إن لم تكن حرصا شديدا على تبويب الحياة الشخصية داخل خانات إبداعية مفتوحة على الآخر كي يقرأ وشمها الغابر و الظاهر و بالتالي يقرأ خوفها و أمانها معاً.
أن أكتب الحياة معناهُ أنني أكتب بدايات كوني المصغّر، سواء نثرتُ أم شعرتُ أم مسرحتُ أم رويتُ أم شكّلتُ أم رقصتُ أم مثّلتُ أم نحتتُ أم...
إنني في كل هذا أكتبني بدءاً و أكتبني نهايةً، و معنى ذلك أنني عندما أكتب البداية فحتما يسكنني شرط النهاية، و يؤرّقني حدّها المسلّط على رقبتي مثل سيف ديمقليطس، و يعنّفني حضورها المتواري خلف جُدُر البدايات المختلفة و المتعددة و الراقصة احتفالاً بهذه الحياة .
إنني و أنا أكتبني بدايةً أمارسُ طقوسي منذ الولادة إلى الموت، منذ الصرخة الأولى المغادرة للرحم، إلى الصرخة الأخيرة التي تمارسها قريبةٌ من أقاربي. هذه الطقوس التي أبنيها كتابةً عبر النوع الأدبي الذي يختارني، هي أشبه بالرقص على نارٍ، بحيث و أنا أرقص ، أي أكتب، تتبدى لي تلك الظلالُ المتحركة المنعكسة لأجسادي المكتوبة. و لكنها ليست كذلك، إنها ظلالٌ لا للأجساد الحاضرة في عمقي، و إنما هي ظلالُ التأويلاتِ الممكنة لكتاباتي الموحَّدة في المعنى، المتعددة في التأويل.
إن كل ظلٍّ هو جسد، و كلّ جسد هو نصّ كُتبَ لينتهي، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في اللحظة التي انبثق فيها مولودا جديداً. و الجديدُ هنا أضعه بين قوسين، إذ ما إن يخرج من قناعتك باحتضانه عن عيون القراء إلا ويصبح قديماً حتى و لو كان عمره دقيقة أو دقيقتين بعد الخروج أو النشر. مثله في ذلك مثل الزمن، فلا حق لنا في وصف الحاضر بالحاضر المطلق، إذ ما إن تمر الدقيقة الأولى على قولنا بالحاضر إلا و يدخل هذا الأخير في عرف الماضي قياساً للحظة الحاضرة المتجددة التي أنا فيها الآن.
هنا نستطيع القول إن الجسد - النص يموت حال خروجه من رحم المبدع، و بالتالي فهو يكتب موته أثناء كتابة الحياة ذاتها. و كلّ إبداعٍ خرج من قبضة المؤلف إلى قبضات القرّاء يصبح إبداعا قديما، أي ميّتاً و هو في قمّة الحياة، لأن صاحبه يفكّر مباشرة في العمل الثاني الذي يُنسيه العمل الأول، و في الرابع الذي يلهيه عن الثالث... و هكذا دواليك. تتمّ العملية في لعبة وجودية تستلذّ قبضتي الحياة و الموت معاً.
و حتى لا نكون مقاربين جزئيين في غير إنصاف، نقول: إن العمل الإبداعي الذي وسمناه بالموت حال خروجه من عرين صاحبه، يملك القدرة الزئبقية على الحياة و الانبعاث، و على التجدد الدائم و على التواري و التخفي أيضا، و ذلك تبعا لطبيعة قارئه لا لطبيعةٍ فيه، إن القارئ هو من يضخ أسباب الحياة في الكتابة المشَرّحة أمام ناظريه، وهو من ينفخ فيها روح الحركة، و حركة الروح... و هو أيضا من يبثّ فيها سموم الجمود و السكون إذا ما تعامل مع الكتابة الغيرية بالإهمال والترك. و هو تركٌ لا يقتل الكتابةَ بقدر ما يقتل وضعها العابر بين يدي هذا القارئ المهمل. أما هي فحيّةٌ بطبيعتها ميّتةٌ بطبيعته، حيّة بالقوّة في ذاتها، ميّتةٌ بالفعل في ذاته








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إقالة ماريا بارتيرومو تثير الجدل.. هل تنضم إلى إدارة ترامب؟


.. مقترح أمريكي لإنهاء الحرب وموسكو تتوعد التصنيع العسكري في أو




.. لماذا يتجنب ترمب مصطلح -حرب- في تصريحاته بشأن إيران؟


.. عقوبات الولايات المتحدة على إيران تعيد جدل الفاعلية والأهداف




.. القوات الحكومية اليمنية: طيراننا الحربي استهدف مواقع لمليشيا