الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في نقد الأيديولوجيات المغلقة: حزب العمال الكوردستاني ومصادرة حق الأجيال في الحياة

دارا محمد حصري

2026 / 9 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


​تخوض المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها نزاعاً فكرياً وسياسياً صامتاً بين مفهومين لاستمرار الوجود: مفهوم يقوم على "شرعية الأفراد والرموز"، وآخر يرتكز على "مركزية الشعوب وحق الأجيال في المستقبل". ولعلّ واحدة من أكثر المغالطات انتشاراً وخطورة في الثقافة السياسية المعاصرة هي تلك السردية التي ترهن وجود الأمة وحياتها بوجود حاكم، أو بقاء قائد، أو استمرار تدفق التضحيات والشهداء، وكأن المجتمع مجرد هامش في كتاب الأفراد، وليس هو الأصل والغاية.
​تُمثّل التجربة التاريخية لحزب العمال الكوردستاني (PKK) نموذجاً شارحاً وميدانياً لكيفية انحراف الحركات الوطنية عن غاياتها الإنسانية الأولية، حين تتحول من أدوات للدفاع عن الحقوق إلى منظومات أيديولوجية تُغرق مجتمعاتها في متوالية ممتدة من الاستنزاف. فالقضية الكوردية —بصفتها قضية عادلة لمشروعية الحقوق السياسية والثقافية والمدنية— تم اختزالها ومصادرتها على مدار أكثر من أربعة عقود لصالح بناء سردية سلطوية ترتهن لفرد واحد وتقتات على تضحيات الأجيال.
​تتجلى الخطورة السياسية والفكرية لتجربة الحزب عبر أربعة محاور رئيسية تفكك بنيته وتأثيره الاجتماعي:
​أولاً: صنميات القيادة واختزال الأمة في "القائد الملهم"
​صيغت الأدبيات التنظيمية للحزب حول فكرة "المركزية المطلقة" لشخص عبد الله أوجلان، حيث جرى تصويره لا كقائد سياسي قابل للنقد أو التغيير، بل كمرجعية وجودية وفكرية لا بديل لها. أدى هذا الارتهان إلى إلغاء التعددية داخل الحركة وتصفية الأصوات النقديّة، ومأسسة عجز سياسي بنيوي؛ حيث عجز الحزب عن إنتاج قيادة مؤسسية قادرة على التكيّف مع المتغيرات الدولية والمدنية، وظل رهيناً لتوجيهات تأتي من خلف الأسوار، معطلاً بذلك الإرادة السياسية الجمعية للشعب الكوردي لصالح الفردانية الأيديولوجية. إن القائد في التجربة الإنسانية الرشيدة ليس شرطاً وجودياً للمجتمع، بل هو مجرد أداة تكتسب مشروعيتها فقط بقدر خدمتها لاستقرار الشعب وحريته.
​ثانياً: تحويل الشهادة من "وسيلة دفاع" إلى "ثقافة إفناء"
​تكمن الفطرة السليمة لأي حراك وطني في جعل "الحياة والحرية وتأمين المستقبل" هي الغاية، بينما تكون التضحية وسيلة اضطرارية باهظة للحماية. لكن حزب العمال مارس قلباً خطيراً لهذه المعادلة؛ إذ سحب التضحية من سياقها كـ"وسيلة لحماية الحياة" ليحوّل "الشهادة" إلى مشروع حياة دائم وهدف في حد ذاته. مَجّد الحزب الموت الجبلي وحوّل الصراع المسلح إلى حالة وجودية مفتوحة بلا أفق زمني أو سقف استراتيجي، مما تسبب في تجريف منظم للجيل الكوردي الجديد، حيث جرى حشد عشرات الآلاف من الشباب والفتيات وزجهم في مواجهات عسكرية غير متكافئة، وحرمان المجتمع من عقول وبناة ومفكرين كان يمكنهم إحداث نهضة تعليمية واقتصادية وسياسية حقيقية.
​ثالثاً: تقويض العمل المدني وإعفاء السلطة من المساءلة
​كلما تهيأت ظروف تاريخية لنشوء مسار مدني وديمقراطي (كما تجسد في محاولات الأحزاب الكوردية المرخصة داخل البرلمان التركي)، كان الإصرار على النهج العسكري والهيمنة الأيديولوجية يقدّم الذريعة الجاهزة للسلطات الحاكمة لقمع تلك المبادرات المدنية وحظرها. وبدلاً من تقييم جدوى العقود الممتدة من القتال، استمر استخدام الخطاب البلاغي العاطفي لتغطية الإخفاق التنموي والسياسي؛ فالحزب لم يكتفِ بإعاقة خيار العمل المؤسسي السلمي، بل تسبب في تهجير ملايين المواطنين، وتدمير آلاف القرى، وتحويل مناطق كاملة إلى ساحات استنزاف دائم، متملصاً من حسابات الجدوى والأثر من خلال الاستغراق في مديح المأساة.
​رابعاً: اتساع كلفة النزيف والإفلاس عند لحظة الانكشاف
​ولم تقتصر هذه الفاتورة الباهظة على الكورد في تركيا، بل امتدت آثارها الكارثية لتشمل الكورد في سوريا، الذين وُجدوا في مواجهة استحقاقات ومعارك جيو-سياسية معقدة دفعوا فيها أثمن ما يملكون من أبنائهم وبنيتهم الاجتماعية. وتتجلى المأساة الأكبر في اللحظات التي تنكشف فيها الأوهام الأيديولوجية؛ عندما يتجه النهج المسلح بعد كل هذا النزيف إلى تسليم سلاحه أو التراجع المفاجئ للاندماج في الأطر القائمة دون ضمانات دستورية وسياسية صلبة تحمي حقوق الناس التي أُريق الدم لأجلها. هنا تظهر الحقيقة المرة: أن عفوية الشعب ونبله جرى استغلالهما كوقود لمشروع لم يحمل رؤية استراتيجية لحماية أحياء المجتمعات. لقد عُومل آلاف الشباب الذين رحلوا كأنهم مجرد "أرقام في بيانات إحصائية"، بينما كان يمكن لكل واحد منهم أن يكون جداراً حصيناً وأداة حقيقية لاستمرار الوجود الكوردي وازدهاره عبر البناء والتعليم والحياة.
​نحو عقلانية استراتيجية تُمكّن الأحياء
​إن درس حزب العمال الكوردستاني يؤكد أن القضية النبيلة لا تعصم الفكر الأيديولوجي من التحول إلى أداة إفناء إذا ما انقطع عن العقلانية السياسية واحترام قيمة الإنسان. إن نيل الحقوق القومية والمدنية للشعوب لا يمكن أن يتحقق عبر تحويل الشباب إلى حطب لحرب لا تنتهي، ولا بربط مصير أمة برمز فردي.
​إن الانتقال بالمجتمعات من ضيق الارتهان للرموز إلى سعة بناء الدول يتطلب تفكيك هذه السرديات عبر نقد عقلاني يضع الأرقام والنتائج فوق الشعارات والنوايا. فالأمم التي حققت الاستدامة هي تلك التي انتقلت من "تقديس الفرد" إلى "تسييد الدستور والمؤسسة". إن التكريم الحقيقي للتضحيات التاريخية لا يكون بإدامة نزيف الدماء، بل بإيقافه، وتأسيس بيئة آمنة تمنح الجيل القادم حقه في الحياة والتعلم والتطور؛ فالنصر السياسي والحضاري للشعوب لا يُقاس بعدد الضحايا، بل بقوة المؤسسات المدنية، واستقرار المجتمع، وقدرة الأجيال الشابة على إعمار وطنها وعيش حياتها بكرامة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. انتخابات ساكسونيا-أنهالت في المانيا ما حقيقة مزاعم التزوير ع


.. هل تتوقع إسرائيل تكرار سيناريو 7 أكتوبر في الضفة؟ | #غرفة_ال




.. كيف يمكن ا?ن تتوسع حرب ا?مريكا وا?يران؟


.. التصعيد بين واشنطن وطهران يضغط على الدين الأوروبي




.. العاشرة | كاتس يهدد بحرب شاملة ضد السلطة الفلسطينية.. وكوشنر