الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ازدراء الإنسان... جريمةٌ في حق الإنسانية، فحين يُزدَرى إنسان... تبكي الإنسانية

راندا شوقى الحمامصى

2026 / 9 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يساورني أن أخطر أنواع الازدراء ليس ازدراء فكرةٍ أو رأي، بل ازدراء الإنسان نفسه. لأن الإنسان ليس مجرد اسم أو هوية أو عقيدة أو لون أو جنسية؛ بل هو قيمة أودعها الله في الوجود، ونفخة من روحه، وآية من آياته.

"ازدراء الإنسان هو ازدراءٌ للإنسانية جميعها."
حين يُزدَرى إنسان، لا تُهان كرامته وحدها، بل يُجرَح الضمير الإنساني بأكمله. فكل إنسان هو مرآة للإنسانية، وما نسمح به تجاه فردٍ واحد، قد يصبح غدًا مصيرًا للجميع.

إن ازدراء الإنسان يبدأ غالبًا بكلمة ساخرة، أو نظرة استعلاء، أو حكمٍ متعجل، ثم يكبر حتى يتحول إلى تمييزٍ وإقصاءٍ وكراهية، وربما إلى ظلمٍ لا يجد من يوقفه. ولهذا كانت الحضارات تُقاس بمدى احترامها للإنسان، لا بارتفاع مبانيها ولا بتقدم علومها.
وأرى أن ازدراء الإنسان هو في جوهره جهلٌ بحقيقته. فمن عرف أن كل إنسان يحمل قصةً لا يعرفها الآخرون، وألمًا قد لا يراه أحد، وحلمًا يسعى إليه، أدرك أن الرحمة أولى من الإدانة، والإنصاف أسمى من الاحتقار.

إن اختلاف البشر ليس سببًا لازدرائهم، بل دعوةٌ للتعارف والتكامل. فالوردة لا تزدرى الياسمين لأنه مختلف عنها، والبحر لا يحتقر النهر لأنه أصغر منه، والشمس لا تبخل بنورها على أحد.
وحين يزدري الإنسان أخاه الإنسان، فإنه في الحقيقة يهدم جزءًا من إنسانيته هو. فالاحتقار لا يصغر من قَدْرِ المُحتقَر بقدر ما يكشف ضيق أفق المُحتقِر، لأن النفوس الكبيرة ترتفع بالمحبة، أما النفوس الصغيرة فتبحث عن عظمةٍ زائفة في التقليل من الآخرين.

إن أعظم ثورةٍ يحتاجها العالم اليوم ليست ثورةً على الأوطان، ولا على الأفكار، بل ثورةٌ على كل شعورٍ يجعل إنسانًا يرى نفسه أرفع من إنسانٍ آخر.
فالإنسان لا يُقاس بما يعتقد فقط، ولا بما يملك، ولا بما ينتمي إليه، بل بما يحمله في قلبه من رحمة، وفي عقله من حكمة، وفي سلوكه من احترامٍ لكرامة كل إنسان.
لعل الإنسانية كلها يمكن أن تُختصر في وصيةٍ واحدة:
لا تزدرِ إنسانًا... فقد يكون عند الله أعظم منك مقامًا، وأطهر منك قلبًا، وأقرب إلى الحقيقة مما تظن.
يساورني أن كل الشرور الكبرى في التاريخ بدأت من لحظةٍ واحدة: حين توقف إنسان عن رؤية إنسانية إنسانٍ آخر. عندها صار قتله ممكنًا، وظلمه مبررًا، وإقصاؤه مقبولًا، وسلب حقوقه أمرًا عاديًا. فالجرائم لا تبدأ بالسلاح، بل تبدأ بالفكرة التي تقول: "هذا الإنسان أقل مني."

ازدراء الإنسان... سقوط الروح قبل سقوط الأخلاق
إن أخطر ما في ازدراء الإنسان أنه لا يقتل الجسد، بل يقتل الشعور بالقيمة. وقد يعيش الإنسان سنوات طويلة بعد أن تُسلب منه كرامته، لكنه يعيش مثقلًا بجراحٍ لا تراها العيون.
ولذلك لم يكن احترام الإنسان ترفًا حضاريًا، بل كان أساس كل رسالةٍ سماوية وكل ضميرٍ حي. فالإنسان ليس وسيلةً لتحقيق مصالحنا، ولا رقمًا في إحصاء، ولا تابعًا لفئة أو عقيدة أو قومية. إنه غايةٌ في ذاته، لأنه يحمل في أعماقه سرًا إلهيًا لا يملكه أحدٌ غيره.

ازدراء الإنسان لا يصنع قوة، بل يصنع خوفًا. ولا يبني مجتمعًا، بل يبني جدرانًا بين القلوب. وما أكثر الأمم التي امتلكت القوة، لكنها سقطت لأنها فقدت احترام الإنسان.
ومن المؤلم أن الازدراء قد يرتدي ثوب الفضيلة؛ فقد يظن بعض الناس أنهم يدافعون عن الحق، بينما هم يهينون البشر. والحقيقة أن الحق الذي يُفقد الإنسان كرامته ليس حقًا كاملًا، لأن الحقيقة والرحمة لا تفترقان.

إن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يوافقه، لكنه يحتاج إلى من يعترف بإنسانيته. فلك أن تختلف معي في الفكر، ولكن ليس لك أن تنزع عني حقي في الاحترام. ولك أن ترفض رأيي، ولكن ليس لك أن تحتقر وجودي.
وحين ننظر إلى الناس بعين الروح، تتغير الأحكام. فكل إنسان يحمل معركةً لا نعرفها، ودمعةً لم يرها أحد، ودعاءً أخفاه عن العالم، وأملًا يقاوم به الحياة. لذلك كان اللطف عدلًا، وكان التواضع حكمة، وكانت الرحمة أرقى درجات القوة.
إن الإنسانية لن تُنقذها كثرة القوانين وحدها، بل إنقاذ الإنسان من ازدراء الإنسان. فالقانون يمنع الظلم، أما المحبة فتمنع الرغبة في الظلم من الأصل.
وربما يكون أسمى تعريفٍ للإنسانية هو أن ترى في كل إنسان أخًا لك في الخلق، حتى وإن اختلف عنك في كل شيء. فكرامة الإنسان لا تُمنح له من الناس، بل هي وديعةٌ من الله، ومن يعتدي عليها كأنه يعتدي على هذه الوديعة المقدسة.
فإذا أردنا عالمًا أكثر سلامًا، فلنبدأ بأبسط عملٍ وأعظمه: أن ننظر إلى كل إنسان بعين الاحترام، قبل أن ننظر إليه بعين الحكم.
فكلما ازداد الإنسان قربًا من الله، اتسع قلبه للناس جميعًا. وكلما ضاق قلبه عن إنسان، فليفتش في نفسه: هل ابتعد عن روح المحبة التي أرادها الله للعالم؟

ليس أعظم الناس من انتصر على خصمه، بل من انتصر على رغبته في احتقار خصمه.
فالاحترام ليس مكافأةً نمنحها لمن يشبهنا، بل فضيلةٌ نتمسك بها حتى مع من يختلف عنا.
وما دام في القلب متسعٌ لإنسانٍ واحدٍ مختلف، فسيبقى فيه متسعٌ للعالم كله.
لأن الإنسان، قبل أن يكون صاحب عقيدةٍ أو وطنٍ أو هوية، هو روحٌ جاءت إلى هذه الأرض لتتعلم المحبة، وتترك أثرًا من النور، ثم تعود إلى خالقها.
فلا تجعلوا اختلافاتكم أكبر من إنسانيتكم، ولا تجعلوا آراءكم أعلى من كرامة الإنسان.
فالإنسانية ليست شعارًا يُرفع، بل قلبٌ لا يزدرِي أحدًا

إن الأعمال العظيمة لا تبدأ بضجيج، بل تبدأ بهذا النوع من الدعاء الصادق. فكم من كلمةٍ غيّرت قلبًا، وكم من موقفٍ أعاد لإنسان ثقته بنفسه، وكم من صوتٍ دافع عن المظلوم ففتح بابًا للأمل.
فلا تسألني: هل سأغيّر العالم؟
اسألني:
هل سأجعل العالم، ولو للحظة، أكثر رحمةً بإنسان؟
فربما لا يستطيع أحدٌ أن يحمل آلام البشرية كلها، لكنه يستطيع أن يخفف ألم إنسانٍ واحد، وأن يدافع عن حق إنسانٍ واحد، وأن يحفظ كرامة إنسانٍ واحد.
وعند الله، قد تكون تلك "الواحدة" أثقل من أعمالٍ ظنها الناس عظيمة.
فالإنسانية لا تُبنى بالخطب وحدها، بل تُبنى بقلوبٍ تؤمن أن كل إنسان يستحق أن يُعامل بكرامة، مهما كان اسمه، أو دينه، أو فكره، أو لونه، أو موطنه.
ولعل أجمل أثرٍ يتركه الإنسان بعد رحيله، ألا يقول الناس: "كان كثير الكلام"، بل يقولوا:
"بوجوده، شعرنا أننا أكثر إنسانية."
تلك هي السيرة التي لا يطويها الزمن، وذلك هو النور الذي يبقى بعد أن يرحل الجسد.

"ازدراء الإنسان... هو جريمة في حق الإنسانية" ...... "فحين يُزدَرى إنسان... تبكي الإنسانية"








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأديان الأربعة الكبرى في العالم


.. ما حقيقة العنف الطائفي والنظرة النمطية وتحديات الإسلام السيا




.. عبر الخريطة التفاعلية.. ما قصة رفات اليهود الذي تطالب إسرائي


.. كيف يمكن لتحالف عربي يهودي أن يحدد هوية رئيس الوزراء الإسرائ




.. عالقون بين جبهتين: كيف يعيش المسيحيون في البلدات اللبنانية ا