الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الوهمُ عندما يكونُ صديقًا

نورالدين حنيف

2026 / 9 / 1
قضايا ثقافية


دلّتْ مفردة الوهم في لسان العرب على خطرات القلب، من (توهم الشيء: تخيله وتمثله، كان في الوجود أو لم يكن، وتوهمت الشيء وتفرسته وتوسمته وتبينته بمعنى واحد) ومن ثمّةَ دلّتْ الكلمة على كلّ تصوّر مشوّه للواقع الموضوعي، أو كلّ اعتقاد مغلوطٍ ينحرف فيه التفكير عن الموضوع.

لحدّ الآن تتبدى لنا الصورةُ قدحيةً، تضع الوهم في قفص الإدانة التي تشجب كل رؤيةٍ تبنّت الوهم أداةً للإدراك. إلّا أن الأمر ليس كذلك دائما، لأن الوهم في تحديدٍ آخر هو آليةٌ تصويريةٌ مرنةٌ تمتلك القدرة على حمايتنا من الفراغ. وبالتالي فالوهم لعبة تُنسينا الواقع بصرامته المعهودة، وتستغرقنا في بناء واقع آخر نستعذبه ونستلذه ونعيشه أحيانا بكل قوانا الممكنة. والغريب في الأمر أن المفردة في اللغة اللاتينية تأتي من أصل (illusorius)، ومنها نسلتْ كلمة (illudere) المرتبطة باللعب.

أحيانا كثيرة نكتب الوهم، لا في تجلياته الكاذبة المقابلة للواقع الموضوعي، ولكن في تجلياته الكاذبة المؤسسة على المخيال المجنّح، كلعبة نُهرِّب عبْرَها كل الضغط المثقِل لإنسانيتنا، وفي هذا التهريب نروم أن نثبت لأنفسنا ولغيرنا أنّ سؤال الوهم ليس دائما سؤالَ الهامش الملغي من ثقافاتنا العالمة، بحكم توجّهه العائم والمتنصل من علامات الصرامة وشروطها. فقد يكون الوهم/ اللعبةُ، سؤالاً فلسفيا أو على الأقل سؤالاً مبطناً بشيءٍ من الفلسفة ما دام يقوم على عنصر الخديعة والمواربة في مفهومها المشاكس والمستفز للبداهة الصامتة، والقابعة فينا أركيولوجيا، تحفر فينا قوانينها المسطّحَة حفراً دؤوبا لا يكلّ ولا يملّ من تقديمنا على موائد الواقع أطباقاً نمطية تشبه إلى حدّ كبير أطباق الهامبرغر في تركيبها البائن.

والخديعة التي تقوم عليها لعبة الوهم لا نستحضرها في معناها البسيط المرتبط بالمخاتلة، ولكن نستحضرها في بعدها الفاتك بالرتابة والشبه والتكرار والتسليم العادي بالحقيقة. الوهم يفتح لنا آفاقا مشرعة الأبواب على إمكان معارضة ما هو بادٍ لنا تسليما وتقليدا ووراثة أنه الحق والحقيقة. الوهم يعطينا، على الأقل، فرصة غير مسبوقة لإعادة بناء النمطي الرتيب بناء جديدا، يُفلسِف رؤيتنا للماحول، أو على الأقل يلاعبها ويداعبها في صرامتها الجادّة وفي جدّها الصارم، ويعطيها أبعاداً وجودية غير تلك التي تقيسها الأقانيم الأربعة.

نكتب الوهم لا هروبا مجانيا، من سطوة الواقع وسلطانه، ولكن نكتب الوهم تهريبا لأحلامنا من أن يئدها تغوّل هذا الواقع.

نكتب الوهم لا في قشرته السطحية التي ترتبط بتمثلات الدهماء للوهم باعتباره ضدّاً للحقيقة، وباعتباره عيشاً رخيصاً في السراب… نكتب الوهم باعتباره طريقة جديدة وخاصّة وذاتية بامتياز، في تمثل الموجودات خارج المساطر التي أوجدتها وقنّنت لها المسير داخل معاييرها.

نكتب الوهم باسم الإبداع، فكل موهومٍ يُعتبر خلقاً جديدا، وخرقاً لنواميس الظاهرة في تجلياتها الطبيعية والعلمية المسيّجة بالرؤية الدقيقة لكل عناصر هذه الظاهرة ولكل تفاصيلها الممكنة. تتحول الظاهرة الموضوعية في عرف كاتب الوهم إلى ظواهر متناسلة خارج شرط الحقيقة، أي داخل شرط الخيال. أنظر مثلا كيف تعامل الشعراء مع سقوط التفّاحة وكيف أوّلها إسحق نيوتن، تجد لأسئلةِ الوهم أجوبة كافية شافية.

لا نستطيع أن نستغني عن الوهم في عملية الكتابة إذا كان شكلا من أشكال الفن، لأننا نحتاج إلى إشراطاته وإملاءاته من أجل الاستمرار في الكتابة/ الوجود. من هنا نفهم طبيعة استقبال نيتشه لمقولة الوهم باعتبارهِ معارفَ أنتجها الإنسان انسياباً مع رغبته اللاشعورية في البقاء، أو باعتباره شكلاً من أشكالِ الفن التي تحول دون موتنا: (لقد اخترعنا الفن كي لا نموت من الحقيقة – نيتشه).
***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حملة تهاجم المسلمين في أوروبا.. من يقف وراءها؟


.. الجيش الإسرائيلي: اعتراض مسيرة تابعة لحزب الله في جنوب لبنان




.. تصريحات ترمب تعيد نزاع جزر فوكلاند بين الأرجنتين وبريطانيا


.. أخطر موقع إيراني.. ترمب: قد نضرب جبل الفأس




.. حصريا.. لحظة دخول الحماية المدنية إلى البئر العالق بها الطفل