الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
مظهر محمد صالح
2026 / 9 / 1حقوق الانسان
حين قرأت كلام بيرس، عدت بذاكرتي إلى رسالة ابنتي. لقد جاءتني من بعيد بجملة واحدة عن السلاسل والديون، فإذا بها تفتح أمامي بابًا على أكثر من قرن من التأمل في علاقة الإنسان بالمال.
ولم أفكر في الدَّيْن بمعناه المالي وحده. فكرت فيها. فكرت في الغربة. في الإنسان الذي يترك وطنه، ويحمل حقيبة صغيرة وأحلامًا كبيرة، ويذهب إلى مكان بعيد بحثًا عن حياة أفضل.
الغريب لا يحمل حقيبته فقط. إنه يحمل معه أهله، وذكرياته، وقلقه، ومسؤولياته، وكل ما ينتظره منه الذين تركهم خلفه.
يعمل لكي يعيش، ويعمل أكثر لكي يرسل إلى أهله، ويقتصد لكي يبقى، ويبقى لكي يستطيع أن يعمل.
وفي الغربة قد يتحول الراتب من وسيلة للعيش إلى مقياس للنجاة.
وهنا بدت لي عبارة ابنتي أكثر عمقًا. ربما لم تكن تتحدث عن الدَّيْن بمعناه المالي وحده. ربما كانت تتحدث عن الإنسان الذي يبيع جزءًا من حاضره لكي يشتري مستقبلًا أفضل.
لكن ماذا يحدث إذا طال البيع؟
ماذا يحدث إذا باع الإنسان يومه من أجل غده، ثم باع غده من أجل اليوم الذي يليه؟
عندها يصبح العمر نفسه دينًا.
ليست المشكلة في الدَّيْن نفسه. فالإنسان قد يستدين ليبني بيتًا، أو يتعلم، أو يبدأ مشروعًا، أو يعبر أزمة عابرة. الدَّيْن قد يكون وسيلة. لكن المأساة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى سيد، عندما يبقى الإنسان في عمل يكرهه لأنه لا يستطيع ترك القسط، أو يعيش حياة لا يريدها لأنه يخشى أن يخسر مستوى من المعيشة اعتاد عليه، أو يصبح مستقبله مرهونًا بتوقيع حدث في الماضي.
عندها لا تعود القضية قضية مال.
إنها قضية حرية.
فالحرية ليست أن تستطيع شراء كل ما تريد. الحرية، في أعمق معانيها، أن تستطيع أن تقول: لا أريد.
أن تستطيع أن تتوقف. أن تستطيع أن تختار. أن يكون لك من وقتك ما يكفي لكي تكون أنت.
لكن ثمة عبودية أخرى أكثر خفاءً من عبودية الدَّيْن: عبودية الرغبة.
أن نريد ما لدى الآخرين، وأن نعيش كي نبدو ناجحين، وأن نشتري لا لأننا نحتاج، بل لأننا نخشى أن نشعر بأننا أقل من غيرنا.
عندها لا يعود الاستهلاك مجرد شراء. يصبح إغراءً.
ولا أحد يضع السلسلة في عنقك.
أنت الذي تمد يدك إليها.
وهكذا يصبح الإنسان، من حيث لا يشعر، مدينًا لأشياء لم يكن يحتاج إليها أصلًا. يدفع ثمن مظهره، وثمن صورته أمام الآخرين، وثمن حياة يريد أن يثبت أنه يعيشها.
ثم يأتي آخر الشهر، فيكتشف أن ما تبقى له ليس سوى القليل من المال، والقليل من الوقت، والكثير من الالتزامات.
ومنذ أن أرسلت إليّ ابنتي تلك الجملة، بقي سؤال يطاردني:
كم نحتاج لكي نعيش؟
ثم جاء سؤال آخر أكثر قسوة:
وكم نحتاج لكي نظهر للآخرين أننا نعيش؟
ربما بين السؤالين تقع مساحة كبيرة من عمر الإنسان.
هناك من يكدّس الأشياء، ثم يكتشف أنه بدد سنواته في جمعها. وهناك من يركض خلف المستقبل، حتى يصل إليه متأخرًا، وقد نسي أن يعيش الطريق.
وقد يملك الإنسان بيتًا وسيارة وحسابًا مصرفيًا، لكنه لا يملك شيئًا من وقته.
وهنا تصبح الثروة سؤالًا مختلفًا:
ليس كم تملك؟
بل:
كم من حياتك ما زال لك؟
ربما لهذا بقيت رسالة ابنتي معي.
كانت تعيش بعيدًا عني، لكنها أرسلت لي جملة عن السلاسل والديون، فإذا بها تقرّب المسافة بين الغربة والوطن، وبين المال والحرية، وبين الإنسان والزمن.
فكرت في المسافة التي تفصلنا أحيانًا عن أحبائنا، وفكرت في المسافة التي تفصل الإنسان عن نفسه.
قد يعيش المرء في وطنه ويكون غريبًا عن حياته. وقد يعيش في الغربة، لكنه يحمل وطنه معه في قلبه. وقد تكون أقسى أنواع الغربة أن يصبح الإنسان غريبًا عن وقته، فلا يجد في يومه فسحةً لنفسه.
عندها فهمت عبارتها بطريقة أخرى.
ليست السلاسل دائمًا من حديد.
قد تكون من خوف، أو من حاجة، أو من دين، أو من رغبة لا تنتهي.
وقد تكون من سنوات يبيعها الإنسان مقدمًا، ثم يكتشف متأخرًا أنه لن يستطيع استردادها.
فاليد يمكن أن تتحرر من القيد.
أما العمر، فإذا مضى، فلا يعود.
ولهذا ربما تكون أخطر عبودية عرفها الإنسان هي تلك التي لا تسلبه حريته دفعة واحدة، وإنما تأخذها منه قسطًا بعد قسط.
حتى يأتي يوم ينظر فيه إلى الوراء، فيكتشف أن كل ما كان يدفعه لم يكن مالًا فحسب.
كان يدفع من عمره.
وكانت السلاسل غير مرئية.
ولهذا، يا ابنتي، أعود الآن إلى جملتك الأولى وأجيبك.
نعم، قد لا تكون سلاسل الإنسان الحديث من حديد. قد تكون دينًا، أو خوفًا، أو حاجة، أو حياةً اختارها لأنه لم يجد شجاعة اختيار غيرها.
لكنني أريدك أن تتذكري شيئًا آخر:
لا تجعلي ما تملكينه يملكك، ولا تجعلي ما تدينين به يأخذ منك ما لا يُسترد.
اعملي، واصنعي مستقبلك، واحلمي كما تشائين، ولكن اتركي دائمًا شيئًا من حياتك لكِ. اتركي وقتًا لنفسك، ووقتًا لمن تحبين، ووقتًا لضحكة لا تحتاج إلى سبب، ووقتًا تعودين فيه إلى نفسك، فلا تجدي أنك قضيتِ عمرك كله في تسديد ثمن حياة لم تعيشيها كما أردتِ.
فالمال يُعوَّض.
والبيت يمكن أن يُبنى من جديد.
والأشياء يمكن شراؤها مرة أخرى.
أما العمر…
فلا يُعاد.
هذه إجابتي لكِ، بعد أن أرسلتِ لي جملة واحدة من الغربة، وتركتِني أكتشف أن بعض السلاسل لا تُرى…
لكنها تُشعر القلب بثقلها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. شاهد على العصر - صفقة السلاح السرية.. مدير المخابرات يكشف س
.. ما وراء الخبر | كيف ينهي الاحتلال آثار أوسلو ويفرض التطهير ا
.. جنيف تستضيف مؤتمرا دوليا عن الأسرى الفلسطينيين