الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
مظهر محمد صالح
2026 / 9 / 1حقوق الانسان
ذات مساء، خاطبتني ابنتي، وهي تعيش في الغربة، وأرسلت إليّ نصًا قصيرًا باللغة الإنكليزية:
“The modern slaves are not in chains, but in debt.”
قرأتها مرة، ثم عدت إليها. كانت جملة قصيرة، لكنها لم تكن عابرة. شيء فيها استوقفني، وأخذني بعيدًا عن الكلمات نفسها، إلى معنى أعمق: عبودية الدَّيْن.
تساءلت: هل يمكن للإنسان أن يكون عبدًا من دون أن تُكبّل يداه بسلسلة؟ هل يمكن أن يعيش حرًّا في الظاهر، بينما شيء خفي يمسك بمستقبله، ويحدد خياراته، ويقتطع من عمره؟
كلما فكرت في الأمر، بدا لي أن العبودية لم تختفِ تمامًا ،لقد تغيّر شكلها. في الأزمنة القديمة كان القيد ظاهرًا، وكانت السلاسل تُرى، وكان السجّان معروفًا. أما اليوم فقد يكون القيد ورقةً يوقّعها الإنسان، أو رقمًا في حساب مصرفي، أو قسطًا ينتظر موعده، أو قرضًا يمتد لسنوات. وقد لا يقف السجّان خلف الإنسان ،قد يكون أمامه، في هيئة فاتورة.
في الماضي كان السيد يقول لعبده: أنت لي. أما اليوم فقد تقول الديون للإنسان، من دون صوت: وقتك لي.
وهنا تكمن المفارقة. فالإنسان القديم كان يعرف أنه مقيد، ولذلك كان يحلم بالخلاص. أما الإنسان الحديث فقد يحمل قيده بيده، ويمشي به في الشوارع، ويدخل به إلى بيته، وربما يراه جزءًا طبيعيًا من حياته.
يعمل لكي يدفع، ويدفع لكي يستمر، ويستمر لكي يعمل. وهكذا تدخل الحياة في دائرة مغلقة، يصبح فيها الراتب الذي انتظره الإنسان شهرًا كاملًا موزعًا قبل أن يصل إليه.
قد يملك بيتًا، لكن البيت يأخذ من عمره سنوات. وقد يملك سيارة، لكن ثمنها يقتطع من مستقبله. وقد يملك أشياء كثيرة، ثم يكتشف ذات يوم أن الأشياء التي امتلكها أخذت منه شيئًا أثمن: حريته.
ولم تكن هذه الفكرة غائبة عن الأدب. بعد أن أرسلت إليّ ابنتي عبارتها، وجدتني أعود إلى أمبروز بيرس، الكاتب الأمريكي الساخر، وإلى كتابه الشهير The Devil’s Dictionary — قاموس الشيطان. وتحت كلمة Debt — الدَّين، كتب تعريفًا ساخرًا وقاسيًا في آن:
“An ingenious substitute for the chain and whip of the slave-driver.”
أي: «بديل بارع عن سلسلة العبد وسوط سيده.»
لم يكن بيرس يتحدث عن «العبودية الحديثة» بالصيغة التي نستخدمها اليوم، لكنه رأى في الدَّين قيدًا يؤدي وظيفة تشبه وظيفة السلسلة والسوط. والأشد إثارة أنه يرسم للمدين صورة تكاد تكون استعارةً كاملة للإنسان الحديث: كائن يسبح داخل حوضه بحثًا عن مخرج، ولا يرى السجن الذي يحيط به، وإن كان يشعر بحدوده.
توقفت طويلًا عند هذه الصورة.
السمكة لا ترى الحوض، لكنها لا تستطيع مغادرته.
حين قرأت كلام بيرس، عدت بذاكرتي إلى رسالة ابنتي. لقد جاءتني من بعيد بجملة واحدة عن السلاسل والديون، فإذا بها تفتح أمامي بابًا على أكثر من قرن من التأمل في علاقة الإنسان بالمال.
ولم أفكر في الدَّيْن بمعناه المالي وحده. فكرت فيها. فكرت في الغربة. في الإنسان الذي يترك وطنه، ويحمل حقيبة صغيرة وأحلامًا كبيرة، ويذهب إلى مكان بعيد بحثًا عن حياة أفضل.
الغريب لا يحمل حقيبته فقط. إنه يحمل معه أهله، وذكرياته، وقلقه، ومسؤولياته، وكل ما ينتظره منه الذين تركهم خلفه.
يعمل لكي يعيش، ويعمل أكثر لكي يرسل إلى أهله، ويقتصد لكي يبقى، ويبقى لكي يستطيع أن يعمل.
وفي الغربة قد يتحول الراتب من وسيلة للعيش إلى مقياس للنجاة.
وهنا بدت لي عبارة ابنتي أكثر عمقًا. ربما لم تكن تتحدث عن الدَّيْن بمعناه المالي وحده. ربما كانت تتحدث عن الإنسان الذي يبيع جزءًا من حاضره لكي يشتري مستقبلًا أفضل.
لكن ماذا يحدث إذا طال البيع؟
ماذا يحدث إذا باع الإنسان يومه من أجل غده، ثم باع غده من أجل اليوم الذي يليه؟
عندها يصبح العمر نفسه دينًا.
ليست المشكلة في الدَّيْن نفسه. فالإنسان قد يستدين ليبني بيتًا، أو يتعلم، أو يبدأ مشروعًا، أو يعبر أزمة عابرة. الدَّيْن قد يكون وسيلة. لكن المأساة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى سيد، عندما يبقى الإنسان في عمل يكرهه لأنه لا يستطيع ترك القسط، أو يعيش حياة لا يريدها لأنه يخشى أن يخسر مستوى من المعيشة اعتاد عليه، أو يصبح مستقبله مرهونًا بتوقيع حدث في الماضي.
عندها لا تعود القضية قضية مال.
إنها قضية حرية.
فالحرية ليست أن تستطيع شراء كل ما تريد. الحرية، في أعمق معانيها، أن تستطيع أن تقول: لا أريد.
أن تستطيع أن تتوقف. أن تستطيع أن تختار. أن يكون لك من وقتك ما يكفي لكي تكون أنت.
لكن ثمة عبودية أخرى أكثر خفاءً من عبودية الدَّيْن: عبودية الرغبة.
أن نريد ما لدى الآخرين، وأن نعيش كي نبدو ناجحين، وأن نشتري لا لأننا نحتاج، بل لأننا نخشى أن نشعر بأننا أقل من غيرنا.
عندها لا يعود الاستهلاك مجرد شراء. يصبح إغراءً.
ولا أحد يضع السلسلة في عنقك.
أنت الذي تمد يدك إليها.
وهكذا يصبح الإنسان، من حيث لا يشعر، مدينًا لأشياء لم يكن يحتاج إليها أصلًا. يدفع ثمن مظهره، وثمن صورته أمام الآخرين، وثمن حياة يريد أن يثبت أنه يعيشها.
ثم يأتي آخر الشهر، فيكتشف أن ما تبقى له ليس سوى القليل من المال، والقليل من الوقت، والكثير من الالتزامات.
ومنذ أن أرسلت إليّ ابنتي تلك الجملة، بقي سؤال يطاردني:
كم نحتاج لكي نعيش؟
ثم جاء سؤال آخر أكثر قسوة:
وكم نحتاج لكي نظهر للآخرين أننا نعيش؟
ربما بين السؤالين تقع مساحة كبيرة من عمر الإنسان.
هناك من يكدّس الأشياء، ثم يكتشف أنه بدد سنواته في جمعها. وهناك من يركض خلف المستقبل، حتى يصل إليه متأخرًا، وقد نسي أن يعيش الطريق.
وقد يملك الإنسان بيتًا وسيارة وحسابًا مصرفيًا، لكنه لا يملك شيئًا من وقته.
وهنا تصبح الثروة سؤالًا مختلفًا:
ليس كم تملك؟
بل:
كم من حياتك ما زال لك؟
ربما لهذا بقيت رسالة ابنتي معي.
كانت تعيش بعيدًا عني، لكنها أرسلت لي جملة عن السلاسل والديون، فإذا بها تقرّب المسافة بين الغربة والوطن، وبين المال والحرية، وبين الإنسان والزمن.
فكرت في المسافة التي تفصلنا أحيانًا عن أحبائنا، وفكرت في المسافة التي تفصل الإنسان عن نفسه.
قد يعيش المرء في وطنه ويكون غريبًا عن حياته. وقد يعيش في الغربة، لكنه يحمل وطنه معه في قلبه. وقد تكون أقسى أنواع الغربة أن يصبح الإنسان غريبًا عن وقته، فلا يجد في يومه فسحةً لنفسه.. وربما
.كان هذا هو الفارق بين العبودية القديمة والعبودية الحديثة. الأولى كانت تقول للإنسان: أنت مقيد. أما الثانية فتتركه يعتقد أنه حر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. شاهد على العصر - صفقة السلاح السرية.. مدير المخابرات يكشف س
.. ما وراء الخبر | كيف ينهي الاحتلال آثار أوسلو ويفرض التطهير ا
.. جنيف تستضيف مؤتمرا دوليا عن الأسرى الفلسطينيين