الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تشرين مشرقة .. لا كما صورها العامري
مثنى إبراهيم الطالقاني
2026 / 9 / 1مواضيع وابحاث سياسية
في ثورة تشرين كان عملي متنقلاً بين بغداد والنجف وبابل، وكان دخلي المالي جيد جداً، وكنت شاباً غير متزوج وميسور الحال، أعين نفسي ومن يحتاجني، ولا أحتاج إلى وظيفة أو إلى مشاريع أخرى سوى حبي لمهنتي الأكاديمية والصحافية.
في ذلك الوقت تغيب القرار الوطني، واختُطفت الدولة تحت شراع الأجندات والولاءات الخارجية وتعاظمت سرقات الشعب العراقي عبر فساد الاقتصاديات الحزبية.
هنا بدأت الشرارة حينما قمعت قوات الشغب المتظاهرين أصحاب الكفاءة من حملة الشهادات العليا برشهم بالماء الحار وضرب الفتيات والفتيان المطالبين بحقوقهم.
لم يكن هذا المشهد بالسهل على الشباب العراقي أصحاب الغيرة فخرجوا بمشهد مهيب يرفعون لافتة "نريد وطن"، ولكن نالوا شرف الشهادة في سبيل هذا الوطن.
كانوا شباباً وأطفالاً صغاراً أجساداً نحيلة تحمل من الثورة ما تسمح به طفولتها.
واحد يجلب الماء وآخر ينظف خيمة وثالث ينقل خبراً أو حاجةٍ للمتظاهرين.
توجهت كسائر نخب الشعب من نقابات ومنظمات مجتمعية ورجال دين والأسرة الأكاديمية، نبحث عن وطن غابت هويته وتاريخه وليس عن مردود مالي أو وظيفة حكومية .. في البدايات تنقلت بين ساحة الصدرين وبين ساحة التحرير.
كنت أرى شباباً صغاراً هناك وأخشى عليهم من المندسين الذين كانوا يسمونهم "بالطرف الثالث" المبني للمجهول حسب الرواية المتفق عليها.
في الكلية طلبوا منا إقناع الطلبة بكسر اعتصامهم والعودة إلى إجراء الامتحانات مع ضمان نجاحهم، ولكن كنت أعرف الطلبة إلى أين يذهبون فكنت أرى بعضهم ليلاً في ساحة الصدرين.
ولم أسأل ولا أشك.. ان تشرين البداية العفوية الشعبية كانت عظيمة ومناضلة وصفحة بيضاء ناصعة في تاريخ العراق.
يا هادي .. تشرين كانت استفتاءٍ شعبياً حراً على شرعية نظام كامل بلا مفوضية انتخابات ولا سانت ليغو ولا صناديق محشوة بأوراق مزيفة.
في تشرين أصبح العراق كله دائرة انتخابية واحدة وكانت ورقة الاقتراع كلمة واحدة:
لا.. لا للفساد..لا للتبعية.. لا لدولة تسرق شعبها.
كان ذلك قبل أن تبدأ شيطنة تشرين، وقبل أن يتسلل إليها المأجورون والمخبرون ومحترفو التشويه وقبل أن تحاول الأحزاب أن تلطخ وجهها الجميل كي لا يرى العراقيون قبح وجوهها في مرآتها.
واجه التشرينيون النظام بصدور عارية ووجوه مكشوفة ولم يكن لديهم سوى علم العراق وهتاف صغير هز دولة كاملة: نريد وطن.
أما القتلة والقناصة وسفاحو الدماء فكانت وجوههم خلف اللثام ونظراتهم متلصصة وأصواتهم مكتومة.
فأي الفريقين كان أشجع يا هادي؟
ذلك الفتى الذي كشف وجهه للرصاصة؟
أم الرجل الذي أخفى وجهه وهو يطلقها؟
تشرين لم تكن فتنة.
تشرين كانت صورة تعكس معاناة العراق وشعبٌ لم يهنئ بثرواته.
وكل ذنبها أنها وضعت تلك الصورة أمام النظام لتذكره بما يصنع فرأى فيها وجهه كما لم يكن يريد للعراقيين أن يروه.
ثم أي مقاومة هذه التي اختارت أن تقاوم شعبها بدل أن تقاوم محتلاً؟
ستبقى تشرين مهما شوهوها ثورة شعبية عراقية حقيقية يذكرها التاريخ المنصف وليس الماكينات الحزبية المزيفة .
وسيظل في ذاكرتي أولئك الشباب الذين كانوا يحملون قناني الماء إلى ساحة التحرير لتوزيعها بين المتظاهرين وتلك المرأة التي مسحت على وجوههم في المناديل الورقية، من كثير من الرجال الذين كانوا يحملون البنادق.
كانوا صغاراً جداً.. لكن الوطن في صدورهم كان كبيراً جداً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سياق الحدث - ضغوط مضيق هرمز بين الاستنزاف العسكري وإسقاط الن
.. نقاش الساعة - الحلول المبتكرة وأفق التسوية بين واشنطن وطهران
.. نافذة من طهران - الخارجية الإيرانية تعلن جاهزية اتفاق هرمز ع
.. نقاش الساعة - انعدام الثقة وأبعاد الصراع الجيوسياسي بين واشن
.. مجزرة إسرائيلية بقضاء النبطية وسط استمرار التصعيد ونزوح السك