الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قصة قصيرة: الزائر

داود سلمان عجاج
روائي، قاص

2026 / 9 / 2
الادب والفن


على الجانب الأيمن من الطريق القديم الذي يصل بغداد بالموصل، كانت تقوم قرية صغيرة، كأنها نقطة متعبة أفلتت من يد الجغرافيا واستقرت بين الصحراء والريح. بيوت طينية متناثرة، وأشجار أثل تقاوم الجفاف بما يصل إليها من مياه الآبار المالحة. وعند الغروب، كانت رائحة الخبز تتصاعد من التنانير الطينية، فيما يعود الرعاة بماشيتهم قبل أن تبتلع الشمس آخر أطراف النهار.
لم تكن القرية تعرف الساعات على نحو المدن. فالظهيرة تُعرف من وقوف الشمس في كبد السماء، ومنتصف الليل من صوت القطار العابر، أما اقتراب الفجر فكانت تبشّر به الثريا.
كانت الأغنام ثروة البيوت جميعاً. لكل بيت حظيرته الصغيرة، ولكل حظيرة سور من طين أو أسلاك. لم تكن تلك الأسوار لحماية الماشية من السرقة، بقدر ما كانت حذراً من الذئاب التي تنحدر أحياناً من أطراف الصحراء، جائعة، لا تعرف من الحياة سوى ما تقودها إليه غريزتها.
ورغم الفقر والقحط الذي كان يزور القرية في بعض الأعوام، ظل أهلها متماسكين. كان الجار يعرف ما في بيت جاره، والخبز يُقسم قبل أن يُؤكل، والكرم عرفاً لا يحتاج إلى وصية. ولهذا، حين كان يأتيهم قريب من قرية بعيدة، يستقبلونه ضيفاً ليوم أو يومين، ثم يعود إلى أهله.
أما هو، فلم يكن ضيفاً. كانوا يسمّونه، من باب التلطف، الزائر. يأتي كل عام، في اليوم الأول ينزل في بيت الشيخ أبي زيدان، كبير القرية، فتُذبح له الذبائح وتُمدّ الموائد، ثم ينتقل في اليوم التالي إلى بيت آخر، ثم إلى آخر، حتى يصبح وجوده جزءاً من حركة القرية اليومية.
لم يكن أحد يسأله متى جاء، ولا متى سيرحل، وكان أحدهم يقول:
- الرجل زائر، ومن العيب أن نحصي عليه أيامه.
فيجيبه آخر:
- الزائر له حق، والقرية لا تضيق بمن قصدها.
وهكذا ظل الزائر ينتقل بين البيوت، يزورهم عاماً بعد عام، ويأكل من خرافهم، من أعراسهم، من مواسمهم، ومن صبرهم الطويل. وكان كلما ثقل حضوره، خفّ كلامهم عنه. فالحياء أحياناً، يصنع للناس أقفاصاً لا يرون قضبانها.
في تلك الليلة، كان الزائر جالساً في بيت الشيخ أبي زيدان وقد على قدومه قرابة الشهر. إذ هبط الظلام ثقيلاً على القرية، وانطفأت الأصوات شيئاً فشيئاً، حتى دوّى فجأة صوت إطلاق نار متقطع.
انتفضت القرية. خرج الرجال من البيوت مسرعين، حمل بعضهم بنادق قديمة، وحمل آخرون ما وقع في أيديهم من عصي وهراوات.
صاح رجل:
- الذئب دخل الحظيرة.
اندفع الجميع نحو أطراف القرية. لمحوا في البعيد ظلاً رمادياً ينساب بين الظلام والرمال.
قال أحد الشباب وهو يلهث:
- لن ندعه يبتعد.
ورد آخر:
- الليلة نعرف أين يختبئ.
استمروا في مطارته أكثر من ساعه، لكن الذئب كان أسرع منهم، يعرف الصحراء أكثر مما يعرفونها. وحين تجاوز الليل منتصفه، عاد الرجال منهكين. كان قطار منتصف الليل قد مرّ منذ قليل، حين تجمعوا في باحة بيت الشيخ أبي زيدان.
جلس الشيخ صامتاً، إلى جواره كان الزائر مطأطئ الرأس، يعبث بطرف عباءته. قال الشيخ بعد أن نظر إلى الرجال:
- ماذا أخذ الذئب منكم الليلة؟
أجاب أحدهم سريعاً:
- خروفاً يا شيخ.
كرر الشيخ:
- خروفاً واحداً؟
- نعم.
سكت قليلاً، ثم قال:
- ولهذا خرجتم جميعاً؟
قال رجل مسن:
- وهل نترك الذئب يعتاد على حظائرنا؟ اليوم يأخذ خروفاً، وغداً يأخذ أكثر.
هزّ الشيخ رأسه ببطء وقال:
- كلام صحيح... فالذئب إذا وجد الباب منفذاً عاد إليه.
ساد الصمت. رفع الشيخ بصره نحو الرجال، ثم قال:
- وهل الذئب يفعل غير ما تقتضيه طبيعته؟
قالوا:
- لا.
قال:
— يجوع فيأكل، ويهرب إذا طُورد.
ثم التفت إلى الرجل الجالس بجانبه، تبادل الحضور النظرات على ضوء القمر بعد أن ارتفع قليلا، وساد بعض الهمس، ثم ساد الصمت.
قال الشيخ:
- وهذا... ماذا تسمّونه؟
أجابوا باستغراب:
- زائرنا.
ابتسم الشيخ ابتسامة باهتة، ثم سأل:
- ومنذ متى وهو يزورنا؟
لم يجب أحد. خفضت العيون أبصارها، وتحركت بعض الأيدي فوق الركب. لذا قال رجل بصوت خافت:
- منذ شهر تقريباً.
رفع الشيخ رأسه:
- أليس هو نفسه الذي جاءنا في العام الماضي؟
سكتوا.
- والذي قبله؟
ظل الصمت. نهض الشيخ واقفاً، وأشار بيده نحو الحظائر البعيدة.
- الليلة استنفرتم القرية كلها لأن ذئباً أخذ خروفاً واحداً.
ثم أشار إلى الزائر:
- أما هذا، فقد أكل خرافكم عاماً بعد عام.
ارتفعت بعض الرؤوس ببطء.
قال الشيخ:
- الذئب دخل الحظيرة مرة، فأطلقتم النار، وركضتم خلفه إلى عمق الصحراء.
ثم التفت إلى الزائر مباشرة:
- أما هذا، فقد دخل بيوتكم جميعاً، ولم تطلبوا منه حتى أن يعرف طريق الخروج.
قال أحد الرجال محتجاً:
- لكنه زائر يا شيخ... والزائر له حرمة.
أجابه الشيخ:
- نعم، للزائر حرمة.
ثم صمت لحظة وأردف:
- لكن للزائر طريقٌ يأتي منه، وطريقٌ يعود إليه.
بقي الزائر ساكناً.
نظر الشيخ إلى الجميع وقال:
- الذئب أكل خروفاً واحداً لأنه ذئب.
ثم أشار إلى الرجل:
- أما هذا، فماذا أكل منكم حتى الآن؟
لم يجب أحد، كانت الأسئلة أثقل من أن تجد لها صوتاً. وفي تلك اللحظة، سُمع نباح بعيد من جهة الصحراء. نهض الزائر فجأة: لم يودّع أحداً، لم يقل كلمة. خرج من باحة الشيخ أبي زيدان، وسار ببطء بين البيوت النائمة.
ظل الرجال يراقبونه حتى تجاوز آخر بيت في القرية. وعندما بلغ الطريق الرملي، توقف قليلاً، ثم التفت خلفه. لم يعرف أحد إن كان ينظر إليهم... أم إلى الحظائر. ثم مضى في الاتجاه نفسه الذي اختفى فيه الذئب.
أما الشيخ أبو زيدان فظل واقفاً طويلاً، فيما كانت عيون الرجال معلقة بالظلام، كأنهم لا يعرفون حتى تلك اللحظة، إن كان الذي غادر قد مضى حقاً، أم أنه تعلّم فقط كيف يعود من بابٍ آخر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -أفلام الحروب- تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينم


.. بعد غياب عدة سنوات...سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس أما




.. في ذكرى رحيل بليغ حمدي.. رحلة «ساحر الألحان» من شبرا إلى كبا


.. تعمير - اعرف أكتر عن مدينة الفنون والثقافة الصرح الحضاري الك




.. جوائز عالمية لأفلام فلسطينية وثقت حرب غزة والسردية الوطنية